رسالة من الماضي

لمحة نيوز

الليلة دي كانت مختلفة، المطر كان تقيل كأنه نازل يغسل وجع السنين، وإياد وآمال واقفين قدام البيت القديم في آخر الشارع في المنصورة، نفس الباب الخشب اللي خرجوا منه زمان وهم صغيرين ومكسورين، نفس الشباك اللي كانت أمهم سارة بتطل منه كل يوم تستناهم يرجعوا من المدرسة، لكن دلوقتي كل حاجة باهتة، مليانة تراب وسكوت يخوف، عشر سنين عدّوا عليهم وهما بيحاولوا ينسوا اللحظة اللي اتقالهم فيها امشوا، بس الحقيقة عمرها ما سابتهم، كانت ماشية معاهم في كل خطوة، في كل نجاح، في كل ليلة ناموا فيها وهم حاسين إنهم لوحدهم في الدنيا.
إياد كان واقف ثابت، بس إيده كانت بتترعش وهو بيمسك المفتاح اللي المحامي اداهوله، وآمال كانت واقفة جنبه، عينيها مليانة دموع بس بتحاول تبان قوية، زي ما اتعودت طول عمرها، بصتله وقالت بصوت واطي نفتح؟ سكت لحظة وبعدين هز راسه، الباب فتح بصوت صرير كأنه بيصرخ من الألم، ودخلوا، الريحة كانت تقيلة، خليط من تراب وذكريات، كل ركن في البيت كان بيحكي حكاية، هنا كانوا بيلعبوا، وهنا أمهم كانت بتضحك، وهنا كانوا بيستخبوا لما جمال يزعق.
مفيش حد في البيت، بس في ترابيزة قديمة في النص، عليها ظرف وصندوق خشب صغير، زي ما المحامي قال، إياد قرب ببطء، كأن كل خطوة بتقربه من مواجهة كان بيهرب منها طول عمره، مسك

الظرف، وفتحُه، وبدأ يقرأ، وصوته كان بيتهز وهو بينطق الكلمات، وآمال كانت سامعة وكل حرف بيخبط جواها زي طعنة.
يا ولادي الكلمة دي لوحدها خلتهم ينهاروا، أول مرة يسمعوها منه، حتى لو كانت على ورق، أنا عارف إني ماستاهلش تسامحوني، بس أنا كنت جبان يوم ما أمكم كانت بتموت، كنت شايف نفسي السبب، كل نفس كانت بتاخده كنت بحس إنه على حسابي لما بصيت في وشكم بعدها، ماقدرتش أشوفكم غير وهي بتموت قدامي أنا ماطردتكمش عشان بكرهكم، أنا طردتكم عشان ماكنتش قادر أعيش مع الذنب بس عمري ما نسيتكم يوم، كنت براقبكم من بعيد، شوفتكم بتكبروا، بتتعبوا، وكنت فخور بيكم، حتى لو ماكنتش أستاهل أكون جنبكم
الرسالة وقعت من إيد إياد، وآمال قعدت على الأرض، بتعيط بصوت عالي لأول مرة من سنين، كل الغضب اللي جواهم كان بيتكسر، بس مش بيختفي، بيتحول لحاجة أصعب، حاجة اسمها حيرة، لأن الحقيقة ماكانتوش بسيطة، هو ظلمهم فعلاً، بس كمان كان موجوع، وهنا الألم الحقيقي، لما الظالم يكون كمان مكسور.
إياد مسح وشه وقال نشوف الصندوق، فتحه، لقوا فلوس متربطة بحرص، وأظرف كتير، كل ظرف عليه تاريخ، وخط أمهم سارة، نفس الخط اللي كانوا بيشوفوه في كراساتهم زمان، نفس الخط اللي كان بيمسح عنهم الخوف، آمال مسكت أول رسالة، فتحتها بإيد مرتعشة، وبدأت تقرأ.
يا حبايبي
يمكن لما تقروا الرسالة دي أكون مش معاكم، بس عايزاكم تعرفوا إن الدنيا صعبة، ومش كل الناس بتعرف تحب صح، جمال مش وحش، هو بس ضعيف، وأنا عارفة إنه هيغلط، بس يا ريت ما تكرهوش، لأن الكره بيكسر اللي جواه قبل اللي قدامه
آمال وقفت قراءة، وبصت لإياد بصدمة هي كانت عارفة إياد أخد رسالة تانية بسرعة، وفتحها، لو حصل ومشيتوا من البيت، أو حسيتوا إنكم لوحدكم، افتكروا إنكم أقوى من أي وجع، أنا ربيتكم عشان تقفوا، مش عشان تقعوا
الرسائل كانت كتير، وكل واحدة فيها جزء من الحقيقة، جزء من الحب، وجزء من الألم، ومع كل رسالة، صورة جمال في دماغهم كانت بتتغير، مش بيبقى البطل، ولا الضحية، بيبقى إنسان، غلط، وخاف، وهرب.
بس فجأة، صوت خبط جامد على الباب قطع كل حاجة، الاتنين اتجمدوا في مكانهم، الصوت اتكرر، وصوت راجل من بره بيقول افتحوا إحنا عيلة جمال، والبيت ده حقنا! آمال مسكت في إيد إياد بخوف، وإياد وقف، عينه اتحولت لنظرة حادة، نفس النظرة اللي الدنيا علمتهاله، مشي ناحية الباب وفتحه بحذر، لقى قدامه راجل كبير ومعاه شابين، ملامحهم قاسية، وقال الراجل جمال مات وسايب فلوس، وإحنا أولى بيها، وانتوا مالكوش حاجة هنا.
إياد ضحك ضحكة قصيرة مليانة وجع إحنا مالناش حاجة؟ وبعدين رفع الرسالة وقال ده سايبها لينا باسمه وبوصيته وإحنا
اللي شلنا نفسنا من الشارع، مش أنتم.
الراجل حاول يدخل بالعافية، بس إياد وقفله الطريق، وآمال وقفت جنبه، لأول مرة مش خايفة، لأن عندها حاجة تدافع عنها، مش فلوس، لكن حق، وذكريات، وحقيقة اتكشفت.
وبعد شد وجذب، ومع تهديد إنهم هيبلغوا الشرطة، العيلة مشيت وهي بتتوعد، بس الباب اتقفل تاني، والمطر بره كان لسه بينزل، بس جوا البيت كان في حاجة اتغيرت.
إياد قعد على الكرسي القديم، وبص للرسائل، وقال بهدوء أنا مش عارف أسامحه بس مش قادر أكرهه زي الأول. آمال مسحت دموعها وقالت يمكن المسامحة مش معناها ننسى يمكن معناها نرتاح.
سكتوا لحظة، وبعدين آمال أخدت رسالة تانية وبدأت تقرأ، وإياد سمع، والمطر فضل ينزل، بس المرة دي ماكانش بيعيط عليهم، كان كأنه بيغسل جرح قديم، جرح يمكن عمره ما يتقفل تمام، بس على الأقل بقوا فاهمينه.
وفي وسط البيت القديم، بين الذكريات والرسائل، كانوا بيبدأوا حياة جديدة، مش من غير وجع، لكن بوعي، إن الحقيقة دايماً أعقد من اللي بنشوفه، وإن القلب، مهما اتكسر، ممكن لسه يعرف يحب حتى لو بعد سنين.
المطر فضل ينزل طول الليل، بس جوا البيت القديم كان في دفء غريب، مش جاي من المكان، لكن من إحساس جديد بيتولد بينهم، إحساس إنهم أخيراً بدأوا يفهموا الحكاية من كل جوانبها، مش بس من وجعهم هما. آمال كانت
قاعدة على الأرض
تم نسخ الرابط