رسالة من الماضي

لمحة نيوز

وسط الرسايل، كل شوية تفتح واحدة، تقرا سطرين وتعيط، وبعدين تمسح دموعها وتكمل، كأنها خايفة تقفل الظرف قبل ما تاخد منه القوة اللي أمها كانت حطاها جواه من سنين.
إياد كان ساكت، باصص في الفراغ، بس دماغه مليانة صور ليلة المطر، صوت الباب وهو بيتقفل، إيد أخته وهي بتترعش، وجمال واقف بعيد، بارد، قاسي وبعدين الصورة بتتشوش، وتتحول لراجل قاعد لوحده، بيكتب رسالة بإيد مهزوزة، ويمكن بيعيط وهو بيكتب، يمكن ندمان لدرجة خنقته. لأول مرة، إياد حس إنه شايفه بني آدم، مش بس حكم.
آمال فجأة قالت بصوت مخنوق إياد بص الرسالة دي.
قرب منها، خدت نفس عميق وبدأت تقرا
يا آمال يا ضحكتي اللي كانت بترجعني من الشغل تعبان وأضحك غصب عني أنا عارف إني جرحتك أكتر واحده، يمكن عشان كنتي أحنهم، وده كان بيكسرني أكتر لو في يوم بقيتي مُدرسة زي ما كنتي بتحلمي، يا ريت تبصي في عيون العيال وتديهم الأمان اللي أنا معرفتش أديهولكم خلي قلبك أوسع من وجعك.
آمال ماقدرتش تكمل، انهارت في حضن أخوها، وهي بتعيط هو كان عارف كان شايفنا
إياد حضنها لأول مرة من غير ما يبقى شايل الغضب
اللي جواه، وقال بهدوء آه بس متأخر قوي.
سكتوا شوية، وبعدين إياد قام ولف في البيت، دخل أوضة صغيرة كانوا بيناموا فيها وهما صغيرين، الباب كان مكسور نصه، بس جواه كان في حاجة غريبة صندوق تاني صغير، متغطي ببطانية قديمة. فتحه بحذر، لقى فيه كشكول قديم، أول صفحة مكتوب عليها يومياتي جمال.
قلبه دق بسرعة، ونادى آمال تعالي شوفي ده
قعدوا جنب بعض، وفتحوا أول صفحة، والخط كان هو نفس الخط المهزوز اللي في الرسالة، بس هنا كان أقدم، أوضح شوية، وابتدى يقرأ
أنا مش بعرف أتكلم بس يمكن أعرف أكتب سارة بتقول لي دايماً إن جوايا كلام كتير مستخبي يمكن هي صح النهاردة إياد جاب عشرة من عشرة، وكان عايزني أفرح بيه بس ماعرفتش خوفت لو فرحت أتعلق بيهم أكتر وأنا أصلاً مش عارف أكون أب.
صفحة ورا صفحة، كانوا بيكتشفوا إن جمال كان عايش معاهم بجسمه، لكن روحه كانت تايهة بين خوفه وشعوره إنه مش كفاية، كل موقف كانوا فاكرينه قسوة، كان وراه ضعف، كل سكوت كان وراه خوف من إنه يغلط أكتر.
وفي صفحة متأخرة، كانت مكتوبة بتاريخ بعد ما سارة ماتت بيومين
أنا مش قادر أبص في وشهم
بحس إني قتلتها وهي وصتني عليهم وأنا عارف إني هفشل لو فضلت، هكسرهم أكتر يمكن لو مشيتهم يمكن لو كرهوني يبقى أهون من إنهم يشوفوني بضعفي ده كل يوم
آمال حطت إيدها على بقها، والدموع بتنزل في صمت، وإياد قفل الكشكول بعنف شوية وقال بس ده مش مبرر اللي عمله فينا مش سهل!
آمال هزت راسها آه مش مبرر بس مفهوم
بصلها بدهشة، وسكت.
عدى شوية وقت، والليل بدأ يهدى، والمطر خف، وآمال قالت فجأة إحنا هنعمل إيه؟
إياد رد مش عارف بس أنا مش عايز أسيب البيت ده تاني كده مش بعد ما عرفنا الحقيقة.
آمال بصت حواليها وقالت البيت ده كان وجعنا بس يمكن يبقى بداية حاجة تانية.
وفي اللحظة دي، افتكروا كلام أمهم في واحدة من الرسايل لو لقيتوا نفسكم تايهين اعملوا مكان لغيركم مايتوهوش فيه
بصوا لبعض، وكأن نفس الفكرة جات لهم في نفس اللحظة.
بعد شهور، البيت القديم ما بقاش مهجور، اترمم، واتفتح بابُه لكل طفل مالوش بيت، اسم المكان بقى بيت سارة، وآمال بقت بتدرس العيال هناك، وإياد كان بيصمم ويوسع المكان بإيده، وكل ركن فيه كان معمول بحب، كأنهم بيصلحوا اللي اتكسر جواهم وهم
بيصلحوا المكان.
وفي يوم هادي، كانوا قاعدين في الجنينة الصغيرة اللي عملوها قدام البيت، وآمال قالت تفتكر هو شايفنا دلوقتي؟
إياد ابتسم ابتسامة خفيفة وقال يمكن ويمكن أخيراً مرتاح.
سكتوا، والهواء كان عليل، ومفيش صوت غير ضحك الأطفال جوا، الضحك اللي كانوا محرومين منه زمان.
إياد طلع رسالة من جيبه، كانت آخر رسالة ماقروهاش، وقال نقراها؟
آمال هزت راسها، وفتحها، وبدأ يقرأ
لو وصلتوا لهنا يبقى أنتم أقوى مما كنت أتخيل آخر حاجة عايز أقولها إنكم علمتوني معنى الحب حتى وأنا فشلت أعيشه لو سامحتوني، يبقى ده أكبر هدية ولو ما سامحتونيش يكفيني إني حاولت أقول الحقيقة قبل ما أمشي بحبكم حتى لو ماعرفتش أقولها وأنا عايش.
الصمت ساد، بس كان صمت مختلف، مش تقيل زي زمان، صمت فيه راحة.
آمال قالت بهدوء أنا سامحته
إياد خد نفس عميق، وبص للسما، وقال وأنا يمكن لسه بتعلم بس مش بكرهه تاني.
وفي اللحظة دي، كأن حمل سنين اتشال من على قلبهم، مش لأن اللي حصل اتغير، لكن لأنهم اختاروا يكملوا من غير ما الوجع يتحكم فيهم.
والبيت اللي شهد أسوأ ليلة في حياتهم بقى شاهد
على بداية أحلى حاجة في حياتهم.

تم نسخ الرابط