ياسين فضل ماسك التليفون بإيده بعد ما أبوه سكت، وكان سامع صوت أنفاسه الثقيلة كأن الراجل فجأة كبر عشر سنين في دقيقة واحدة. عمره ما سمع أبوه بالشكل ده، لا فيه عصبية، لا أوامر، لا حتى غرور الراجل اللي طول عمره شايف نفسه صاحب الكلمة. كان فيه خوف خوف حقيقي. وياسين لأول مرة حس إن البيت اللي خرج منه من شهر مش واقف على رجليه زي ما كانوا بيمثلوا قدامه طول السنين. قال بهدوء قول اللي عندك يا بابا. اتنهد هاني وقال بصوت متقطع البنك بعت إنذار أخير ولو القسط متدفعش آخر الأسبوع هيبدأوا إجراءات الحجز. ياسين سكت شوية، قلبه اتقبض رغم كل اللي حصل. البيت ده اتربى فيه، فيه أوضة طفولته، فيه ضحكة أمه زمان قبل ما تبقى ناشفة بالشكل ده، فيه صورة جدته الله يرحمها وهي معلقة في الصالة. لكنه رجع سأل ببرود وإزاي وصلنا لكدة وأنا بدفع القسط كل شهر؟ هنا جه الصمت اللي كشف كل حاجة. هاني بلع ريقه وقال القسط اللي كنت بتدفعه مكانش كامل. ياسين حس جسمه كله سخن. يعني إيه؟! قال أبوه بسرعة كأنه بيحاول يبرر بعد ما شركتي وقعت والدنيا بازت، اتأخرت في كذا دفعة وفوايد وغرامات تراكمت وأنا كنت كل شهر
آخد الفلوس اللي بتحولها وأسدد جزء وأرحل الباقي. ياسين قام وقف من على السرير، قلبه بيدق بعنف. يعني أنا بقالي 3 سنين فاكر إني بحافظ على البيت وإنتوا كنتوا سايبين الدين يكبر؟! هاني سكت، لكن الصدمة الأكبر لسه مجتش. لأن الأب قال بعدها بجملة خلت ياسين يحس إن الأرض بتتهز تحته وأخوك أحمد خد قرض باسم البيت. هنا ياسين حس إن نفسه اتقطع. إيه؟! قال إنه هيفتح مشروع وإنه هيقف على رجليه أمك صدقته وأنا مضيت ضامن. ياسين ضحك ضحكة قصيرة كلها قهر. أحمد؟ مشروع؟ ده واحد ميعرفش يلتزم بشغلانة أسبوعين. قال بعصبية عمل إيه بالفلوس؟ هاني مردش فوراً، لكن الرد جه من صوت أمه اللي فجأة ظهرت على السماعة وهي بتعيط ضيّعهم يا ياسين ضيعهم كلهم. قفل عينه بقوة. أمه اللي طردته بنفسها دلوقتي بتعيط له. قال بجمود إزاي ضيعهم؟ سلوى شهقت وسط عياطها وقالت دخل مع شوية صحاب في تجارة إلكترونيات وبعدها اكتشفنا إنه كان بيصرف نص الفلوس على قمار أونلاين ومراهنات. ياسين قعد ببطء على السرير تاني، حاسس بدوخة. كل مرة كان بيتخانق فيها مع أحمد، كانت أمه تدافع عنه كأنه طفل صغير. كل مرة كان يحاول يقول إنه مستهتر،
كانوا يقولوا إنه لسه بيتعلم. كل مرة كان يرفض يديه فلوس، أمه تتهمه بالغيرة من أخوه. وفي الآخر طلع إحساسه صح من البداية. سمع أبوه بيقول بانكسار إحنا ورطنا نفسنا يا ابني. بس الجملة اللي وجعته فعلاً كانت اللي بعدها. والبنك ممكن ياخد البيت. فضل ساكت. لأن جزء جواه كان نفسه يقول وأنا مالي؟ لكن جزء تاني كان لسه ابن البيت ده مهما حاول ينكر. في الليلة دي معرفش ينام. فضل باصص للسقف، فاكر كل مرة رجع فيها البيت تعبان بعد شغل 12 ساعة ولقي أمه بتقوله هات طلبات، أو أحمد بياخد عربيته، أو أبوه ساكت كأن اللي بيحصل طبيعي. افتكر إنه عمره ما اتشكر. عمره ما اتحضن حتى. كان مجرد ماكينة فلوس. الصبح راح شغله وهو دماغه مولعة. صاحبه كريم لاحظ شروده وقال له مالك؟ حكى له كل حاجة. كريم سكت شوية وقال إوعى ترجع زي زمان. يعني أسيبهم؟ ساعد لو عايز بس متبقاش الضحية اللي بتنقذ ناس مستعدين يغرقوك معاهم. الكلام فضل يلف في دماغه طول اليوم. وفي الليل، وهو راجع شقته الصغيرة اللي بالكاد فيها سرير ومكتب وثلاجة، حس لأول مرة براحة غريبة. محدش بيزعق. محدش بيطلب. محدش بيحسسه بالذنب لأنه عايش. وبعد
يومين، أمه اتصلت. أول ما رد سمع صوتها الضعيف إنت زعلان مني أوي كدة؟ سكت. قالت بسرعة أنا أمك يا ياسين. رد بهدوء واجعها أكتر من أي صريخ وأنا ابنك بس عمري ما حسيت بده. سكتت، ولأول مرة مفيش رد جاهز عندها. كمل وهو صوته مكسور رغم محاولته يبان ثابت عمرك سألتِ نفسك ليه أول واحد بتلوموه دايماً هو أنا؟ ليه أحمد مهما عمل بيتسامح؟ ليه أنا كنت بدفع وأتذل؟ سمع شهقتها، لكنه كمل أنا خرجت من البيت ومعايا شنطة هدوم بس إنما إنتوا فضلتوا هناك ومعاكم كل حاجة، وبرضه أول شهر وقعتوا. بعدها بأسبوع، البنك بعت إنذار رسمي. وأحمد اختفى يومين كاملين بعد ما عرف إن الموضوع قرب يتكشف. أمه كانت شبه منهارة، وأبوه بقى شكله مكسور فعلاً. وياسين رغم غضبه، راح البيت لأول مرة من ساعة ما مشي. أول ما دخل، حس بغصة. البيت نفسه لكن مش نفس البيت. النور مطفي في نص الأوض، التكييف مقفول توفير، وأمه وشها أصفر من العياط. أحمد كان قاعد في الركن، أول مرة يبان عليه الخوف بجد. وياسين وقف قدامه وقال الفلوس راحت فين؟ أحمد حاول يبص بعيد خسرت. كله؟ كان ممكن أعوض هنا ياسين انفجر. لأول مرة صوته علي في البيت بالشكل