امي طردتني من البيت

لمحة نيوز

ده تعوض بإيه؟! بفلوس مين؟! ببيت مين؟! أحمد سكت، وأبوه نزل عينه في الأرض. أما أمه فكانت بتعيط بصمت. وياسين فجأة حس بتعب السنين كلها نازل فوق صدره مرة واحدة. تعب إنه الكبير بالعافية. تعب إنه المسؤول غصب. تعب إنه الابن اللي لازم يفهم ويسامح ويشيل بينما محدش شايل همه. وبعد ساعات كلام واتهامات وصريخ، البنك اتصل تاني. كان لازم مبلغ كبير يتدفع خلال أيام وإلا الإجراءات هتبدأ. وقتها الكل بص لياسين نفس البصة القديمة. بصة أنقذنا. وهنا حصلت اللحظة اللي غيرت كل حاجة. ياسين طلع ملف من شنطته، وحطه على الترابيزة. أبوه فتحه واتصدم. كانت كل التحويلات والفواتير والإثباتات اللي دفعها ياسين طول 3 سنين. أرقام ضخمة. أمه بصت للأوراق وبدأت تعيط أكتر. قال بهدوء أنا مش جاي أدفع. رفعوا عينهم له بصدمة. كمل أنا جاي أفهمكم إن اللي كنتوا شايفينه واجب كان تضحية. سكت ثانية وقال وأي تضحية من غير تقدير بتتحول لذل. أمه حاولت تمسك إيده وهو يقوم، وقالت برجفة إحنا غلطنا. لأول مرة يسمعها صريحة كدة. لا تبرير، لا لف ودوران. مجرد اعتراف موجوع. بص لها طويلاً، وشاف ست تعبانة وخايفة، مش الست المتسلطة اللي طردته يومها. وبص لأبوه، الراجل
اللي كان دايماً ساكت لحد ما الدنيا وقعت فوق دماغه. وبص لأخوه، اللي أخيراً فهم إن الحياة مش هزار. وساعتها ياسين خد نفس طويل وقال أنا هساعد بس بشروطي. الكل سكت. البيت هيتباع. أمه شهقت إيه؟! البيت أكبر من إمكانياتكم ومن الأول كان فوق مستوانا. هنبيع، نسدد الديون، ونبدأ من جديد في مكان أصغر. أحمد اعترض بعصبية، لكن أبوه لأول مرة زعق فيه اسكت! وياسين كمل وأنا مش هرجع أعيش هنا. ولا هرجع بنك مفتوح. أي مساعدة بعد النهاردة هتبقى بمزاجي، مش فرض. وبعد شهور طويلة من البيع والإجراءات والخناقات والمرمطة، العيلة انتقلت لشقة أصغر بكتير. أحمد اضطر يشتغل فعلاً لأول مرة في حياته. وأمه اتغيرت بقت كل ما ياسين يزورها تحط الأكل قدامه وتسأله مرتاح ولا لأ، كأنها بتحاول تصلح سنين فاتت. وأبوه بقى يتصل بيه مش عشان فلوس لكن عشان يطمن عليه. أما ياسين، ففي الليلة اللي رجع فيها لشقته بعد آخر ورقة اتقفلت في حكاية البيت، وقف يبص من البلكونة الصغيرة على الشارع الزحمة، وحس بحاجة عمره ما حسها قبل كدة إنه أخيراً بقى عايش لنفسه، مش عايش عشان يسند ناس شايفين سنده حق مكتسب. وقتها بس فهم إن الطرد اللي وجعه يومها كان في الحقيقة أول
باب اتفتح له عشان ينقذ نفسه.
بعد مرور ست شهور، الدنيا كانت هديت من بره لكن جوا كل واحد في العيلة كان فيه حاجة اتكسرت ولسه بتحاول تلزق نفسها. ياسين بقى عنده روتين جديد لأول مرة في حياته. يصحى بدري، يروح شغله، يرجع شقته الصغيرة الهادية، يعمل لنفسه قهوة ويقعد في البلكونة من غير ما يسمع خناقة، من غير ما حد يخبط عليه يطلب فلوس أو خدمة أو يلومه على مشكلة هو مالوش دعوة بيها. الراحة دي كانت غريبة عليه لدرجة إنه في الأول كان بيصحى مفزوع نص الليل، حاسس إن فيه كارثة مستنياه. لكن مع الوقت بدأ يفهم إن الهدوء مش ذنب وإن الإنسان مش لازم يفضل متبهدل طول عمره عشان يثبت إنه طيب.
وفي يوم جمعة، وهو قاعد بيتفرج على ماتش قديم على اللابتوب، تليفونه رن. اسم أحمد ظهر على الشاشة. ياسين اتردد يرد، لأن من ساعة أزمة البيت وأخوه بقى شبه مختفي، كلامه قليل ونظراته مليانة خجل وغِل في نفس الوقت. لكن رد في الآخر. أول ما فتح، سمع صوت أحمد متوتر بشكل غريب إنت فين؟
في البيت خير؟
سكت أحمد ثواني وقال ماما وقعت.
قلب ياسين وقع. قام بسرعة لابس هدومه وهو بيسأل يعني إيه وقعت؟!
كانت في المطبخ وفجأة وقعت ومبتقومش وإحنا في المستشفى
دلوقتي.
في أقل من نص ساعة كان داخل مستشفى حكومي زحمة وريحتها مطهر وتعب. أول ما شاف أبوه قاعد على الكرسي برا الأوضة حس بصدمة. هاني كان باين عليه الكِبر فجأة، شعره الأبيض زاد، وضهره بقى محني كأنه شايل جبل. أول ما شاف ياسين قام بسرعة وقال بصوت مكسور الحمد لله إنك جيت.
هي عاملة إيه؟
هاني بلع ريقه وقال الدكتور بيقول جلطة خفيفة بسبب الضغط والسكر والإجهاد.
ياسين سكت، وبص من الشباك الصغير اللي في الباب. شاف أمه نايمة على السرير، وشها شاحب، وإيدها فيها المحلول. الست اللي طول عمرها صوتها عالي وشخصيتها مالية البيت، دلوقتي باينة ضعيفة بشكل يخض.
دخل عندها بهدوء. أول ما فتحت عينيها وشافته، دموعها نزلت فوراً. حاولت تتكلم لكنه قرب وقال متتعبيش نفسك.
فضلت باصة له كأنها نفسها تقول مليون حاجة ومش عارفة تبدأ منين. وفي الآخر همست حقك عليا يا ابني.
الجملة دخلت قلبه بشكل غريب. طول عمره كان مستنيها، لكن لما سمعها محستهوش بالانتصار. حس بحزن. حزن على سنين كاملة ضاعت في شد وجذب وعناد وتفرقة.
بعد يومين خرجت سلوى من المستشفى، لكن الدكتور قال لازم ترتاح ومينفعش ضغط ولا توتر. ومن هنا بدأت المشكلة الحقيقية. لأن البيت
الصغير اللي
تم نسخ الرابط