امي طردتني من البيت
نقلوا له كان محتاج مصاريف، وأبوه مرتبه بالكاد يكفي، وأحمد شغله الجديد ماشي بالعافية. لأول مرة العيلة كلها كانت واقفة من غير الحيطة اللي اسمها ياسين.
لكن الغريب إن ياسين ما جريش يشيل الحمل كله زي زمان. كان بيزور، يساعد بالمعقول، يجيب علاج، يدفع حاجة بسيطة، لكن كل ما يحس إنهم بيرجعوا يعتمدوا عليه بالكامل كان ياخد خطوة لورا فوراً. وكان ده بيضايق أحمد جداً.
وفي ليلة، بعد ما ياسين كان جايب طلبات لأمه، أحمد شدّه على جنب وقال بعصبية مكتومة إنت مبسوط يعني؟
بمبسوط بإيه؟
إننا بقينا محتاجينك.
ياسين بص له باستغراب إنت فاهم غلط أنا عمري ما كنت عايزكم تحتاجوني، أنا كنت عايزكم تقدروني.
أحمد ضحك بسخرية وقال إنت شايف نفسك الضحية المثالية دايماً.
الكلمة ولعت حاجة قديمة جوا ياسين، لكنه أخد نفس طويل وقال بهدوء وأنت شايف نفسك طفل حتى وإنت قربت على التلاتين.
أحمد قرب منه وقال بحدة أنا غلطت، ماشي؟ بس إنت استغليت الغلطة دي عشان تحسسنا إنك ملاك.
ياسين لأول مرة شاف الحقيقة في عين أخوه. أحمد مش بس كان مدلل أحمد كان طول عمره حاسس إن وجود ياسين بيكشف فشله. كل مرة العيلة
لكن اللي حصل بعد كدة هو اللي قلب كل حاجة تاني.
بعد أسبوع، ياسين رجع من الشغل لقى باب شقته مفتوح سنة بسيطة. قلبه دق بعنف. دخل بسرعة، لقى الشقة متبهدلة. الأدراج مفتوحة، الورق مرمي، واللابتوب مش موجود.
وقف مصدوم ثواني قبل ما يلاحظ إن فيه حاجة أهم اختفت الملف القديم. ملف الفواتير والتحويلات وكل الإثباتات اللي كانت تثبت إنه كان بيدفع للبيت سنين.
وفي نفس الليلة، أبوه اتصل بيه مرعوب البنك بعت محضر جديد!
إزاي؟ البيت اتباع والديون اتسددت!
لكن الصدمة إن أحمد، قبل بيع البيت القديم، كان مزور توقيع أبوه في ورق تاني واخد تمويل إضافي بضمان تجاري باسم الأب من شركة خاصة، والشركة دلوقتي بتطالب بالمبلغ بعد هروبه من السداد.
ياسين حس الدم بيتسحب من وشه. أحمد فين؟
الصمت اللي جه بعدها كان مرعب.
لأن أحمد كان اختفى.
اختفى تماماً.
تليفونه مقفول، شغله سابه، وحتى أصحابه محدش عارف له طريق. وأمه دخلت في انهيار عصبي أول ما عرفت. كانت قاعدة على الكنبة بتردد ابني ضاع ابني ضاع.
أما
ثلاث أسابيع كاملة والعيلة عايشة في رعب. الشركة بتهدد بالقضايا، وأحمد مختفي، وأمه صحتها بتسوء. وياسين رغم غضبه، كان هو الوحيد اللي بيحاول يحل.
لف على أصحاب أحمد، راح أماكن قديمة، سأل ناس كانوا بيسهروا معاه. لحد ما في ليلة متأخرة، وصله لوكيشن من رقم غريب. رسالة قصيرة مكتوب فيها أخوك هنا والحقه قبل ما يضيع بجد.
راح المكان فوراً. كان كافيه إنترنت قديم في حارة ضيقة. دخل وهو قلبه بيدق، لقى أحمد قاعد لوحده، دقنه طويلة، وشه مرهق، وعينه حمرا كأنه مبينامش.
أول ما شاف ياسين، نزل عينه في الأرض.
ياسين قرب منه ببطء وقال إنت مجنون؟
أحمد ضحك ضحكة مكسورة وقال عارف.
إنت دمرت الكل.
عارف.
ليه؟
هنا أحمد رفع عينه لأول مرة، وكانت مليانة دموع عشان عمري ما كنت كفاية.
الجملة سكتت ياسين.
أحمد بدأ يتكلم بسرعة كأنه بيطلع سم سنين إنت طول عمرك الشاطر المسؤول أبويا بيفتخر بيك قدام الناس حتى وهو ساكت أمي بتحبك أكتر حتى وهي بتدلعني وأنا؟ أنا الفاشل. كل
إحنا عمرنا ما كرهناك.
بس عمركم ما وثقتوا فيا.
سكت ياسين، لأنه لأول مرة يحاول يسمع أخوه فعلاً بدل ما يحكم عليه.
أحمد كمل وهو بيبكي لما خدت القرض كنت فاكر هنجح وأبقى زيك أول مرة أبويا يبص لي بفخر بس غرقت.
وفي اللحظة دي، ياسين فهم إن الكوارث اللي حصلت للعيلة مكانتش بسبب شخص واحد بس كانت نتيجة سنين كاملة من المقارنات، والتفرقة، والسكوت عن الغلط، وتحميل شخص فوق طاقته، وتدليل شخص لحد ما ضاع.
فضل واقف قدام أخوه وقت طويل، وبعدين قال بهدوء تعالى.
أحمد بص له بصدمة فين؟
ترجع تواجه اللي عملته.
هيدمروني.
لا الهروب هو اللي هيدمرك.
وفي الطريق، أحمد كان ساكت كطفل مرعوب، وياسين سايق العربية وعقله مليان حرب. جزء جواه عايز يسيب أخوه يقع في اللي عمله، وجزء تاني مش قادر ينسى إن ده أخوه مهما حصل.
لكن لما رجعوا البيت، والمفاجأة انفجرت قدامهم، عرفوا إن المصيبة الأكبر لسه مستخبية لأنهم لقوا باب الشقة مفتوح، والشرطة جوا، وأبوه قاعد منهار على الكرسي وفي إيده ورقة واحدة خلت الدم يتجمد في عروق ياسين أول ما
إخطار ضبط وإحضار باسم أحمد هاني السيوفي.