الجرسونة وزعيم المافيا

لمحة نيوز

أنا اسمي ليلى رشدي.. وعُمري ما تخيلت إن شغلانة جرسونة بمرتب يكفّي بالعافية إيجار أوضة صغيرة فوق مغسلة هدوم في جنوب شيكاغو، هتفتح لي باب على عالم الناس اللي بيحكموا المدينة من تحت الترابيزات، مش من فوقها. بقالي سنتين بشتغل وردية الليل في مطعم بيلليسمو، المكان اللي الكوباية فيه تمن أسبوع أكل بالنسبالي، والزبون اللي يسيب بقشيش ألف دولار يبقى ناسيها في جيبه أصلاً. كنت بلبس الزي الأسود، ألمع الكاسات، وأتحرك وسط الأثرياء زي شبح محدش بيلاحظه. بس الحقيقة إن عندي عالم تاني محدش يعرفه. بالنهار كنت طالبة في معهد لغة الإشارة الأمريكية، بحاول أبقى مترجمة محترفة. اتعلمت اللغة دي وأنا صغيرة عشان خالتي نوال كانت صمّاء، وهي اللي ربتني بعد ما أبويا مات وأمي غرقت في شغلها وحياتها. خالتي كانت دايماً تقول لي الناس فاكرة اللي مش بيسمع ضعيف مع إن الحقيقة إنهم هما اللي مش بيعرفوا يسمعوا. وقتها مكنتش فاهمة الجملة، لكن اللي حصل بعد كده خلاني أفهمها بكل وجعها.
في ليلة مطر سودا، المطعم كله اتقلب حالة طوارئ أول ما مدير الصالة جري وهو بيهمس الهواري جاي. الاسم ده كان كفاية يخلي الطباخين يسكتوا والموظفين يعدلوا هدومهم. سليم الهواري. الراجل اللي الجرائد بتسميه رجل أعمال،

والمدينة كلها بتسميه بصوت واطي الملك. شركات شحن، مواني، عقارات، ونص السياسيين مديونين له بخدمات. دخل المطعم وسط حرسه، طويل، لابس بدلة فحمية مفصلة عليه كأنها معمولاله جوه جلده، ووشه جامد بطريقة تخوف. بس اللي لفت نظري مش هو كانت الست اللي ماشية جنبه. سيدة كبيرة، شعرها أبيض ناعم، لابسة أخضر زمردي وراسية بشكل ملكات الزمن القديم، لكن عنيها كانت تايهة وسط دوشة المكان. الكل بيكلمها بصوت عالي كأن الصوت العالي هيخليها تسمع. وأنا من أول ثانية عرفت الست دي صمّاء.
فضلت أراقبهم من بعيد. سليم كان بيحاول يتواصل معاها بإشارات بسيطة ومكسرة، وهي تهز راسها مجاملة بس باين عليها الوحدة. قلبي وجعني عليها بشكل غريب. لما أخدت لهم المية المعدنية، حطيت الكوباية قدامها، وبعدين بصيت في عينيها وحركت إيدي بلغة الإشارة تحبي أجيبلك حاجة تانية؟. الست شهقت حرفياً. عنيها لمعت وكأن حد فجأة فتح لها شباك هوا بعد سنين. ردت بسرعة وحماس أنتِ بتتكلمي إشارات؟. ابتسمت وقلت بإيدي أيوه بدرسها. فضلت تضحك، ضحكة حقيقية طالعة من القلب، وقالت أخيراً حد هنا فاهمني ابني بيحاول، بس كارثة!. لأول مرة شفت سليم الهواري يتوتر. بص لأمه، ثم ليا، بنظرة غريبة مش نظرة راجل شايف بنت جميلة، لأ نظرة واحد اكتشف
سلاح جديد.
من اللحظة دي، الجو كله اتغير. الست، واسمها الحاجة ناهد، فضلت تكلمني طول العشا بالإشارة، تحكيلي عن السفر واللوحات والفن والموسيقى اللي بتحسها بالاهتزازات مش بالصوت. وسليم كان ساكت، يراقبنا. كل شوية يحاول يدخل بإشاراته البطيئة، فتضحك أمه عليه. لأول مرة الوحش اللي الناس كلها بترتعش منه، يبان زي طفل صغير بيحاول يرضي أمه. قبل ما يمشوا، الحاجة ناهد مسكت إيدي بقوة غريبة بالنسبة لست في سنها، وبصتلي في عيني وقالت بالإشارة بكرة تعالي حفلة الجمعية ابني محتاج يسمع الحقيقة، وهو مش بيسمع غير نفسه. جسمي اتشد. كنت لسه بسأل نفسي تقصد إيه، لما سليم قرب ومدلي كارت أسود مطبوع عليه رقم فضي بس. لا اسم شركة ولا عنوان. وقال بصوت هادي مرعب العربية هتيجي تاخدك الساعة سبعة. مكنش سؤال كان أمر متغلف بذوق.
طول الليل معرفتش أنام. جزء مني كان عايز يقطع الكارت ويرميه. وجزء تاني كان حاسس إن الست دي بتستغيث بيا. وفي النهاية فضولي غلب خوفي. تاني يوم، عربية سوداء طويلة وقفت قدام العمارة اللي ساكنة فيها. الجيران فضلوا يبصوا كأني بقيت نجمة سينما. ركبت والعربية اتحركت لحد ما وصلنا لقصر ضخم على أطراف البحيرة. الحفلة كانت عالم تاني. سياسيين، قضاة، رجال أعمال، كاميرات، فساتين
تلمع أكتر من النجف. أول ما دخلت، استقبلتني الحاجة ناهد بنفسها، حضنتني كأني بنتها، وبعدها أخدتني لجناح جانبي بعيد عن الزحمة. هناك، ملامحها اتغيرت تماماً. الست اللطيفة اختفت، وقدامي بقت امرأة مرعبة بعيني صقر.
قالت بالإشارة بسرعة اسمعيني كويس ابني في خطر. اتجمدت مكاني. كملت في ناس حواليه بيخونوه، وهو أعمى بسبب ثقته. سألتها ليه أنا؟. ردت لأنهم مش شايفينك. وقتها بس فهمت. بالنسبة للناس دي، الجرسونة مجرد هوا. محدش بياخد باله منها. والحاجة ناهد كانت عايزة تستخدم ده. بدأت تخليني أترجم لها في اجتماعات الجمعية والحفلات. وفي كل مرة كنت ألاحظ حاجات غريبة. رجال يوقفوا الكلام أول ما سليم يقرب. نظرات خوف. ملفات تتقفل بسرعة. وأسماء تتكرر همساً فؤاد، الحاويات، المينا الشرقي.
بمرور الأيام، بقيت أقرب للحاجة ناهد ولسليم كمان. المشكلة إن سليم مكنش زي ما الناس بتحكي. أيوه، كان خطير وقاسي، لكن جواه تعب عمره ما بان لحد. في مرة بعد حفلة طويلة، لقاني واقفة في البلكونة لوحدي، وقالي أمي بقت تضحك تاني من ساعة ما دخلتي حياتنا. قلبي خبط بعنف. حاولت أهرب من عينيه، لكنه كمل أنا عمري ما عرفت أوصل لعالمها وإنتِ دخلتيه في يوم. ساعتها حسيت بالخطر الحقيقي. مش خطر المافيا خطر إني
أقع
تم نسخ الرابط