الطفلة الصغيرة
في مستشفى الأورام القديم اللي واقف في آخر شارع هادي في قلب القاهرة، كانت الحياة ماشية بقانون غريب الناس برّه بتجري ورا شغلها، وزحمة العربيات بتاكل الشوارع، وضحك الأطفال مالي المولات والنوادي لكن جوّه الدور الرابع، الزمن كان واقف. هناك، الساعة مبتتحركش غير على صوت الأجهزة، وأنين الأمهات، ودعوات مكتومة طالعة من قلوب اتكسرت بدري أوي.
أنا اسمي عزة.. ممرضة بقالي 23 سنة في قسم أورام الأطفال. شوفت أطفال كتير يدخلوا القسم وهم بيضحكوا، وبعد شهور يخرجوا منه في كفن أبيض صغير. شوفت أمهات شابت في أسبوع، وآباء باعوا بيوتهم عشان جرعة علاج، وأطفال اتعلموا معنى الوجع قبل ما يعرفوا جدول الضرب.
لكن سلمى كانت مختلفة.
بنت عندها 7 سنين جسمها صغير أوي كأنه عصفورة مبلولة، وعينيها كبار بشكل يخض. البنت دي من أول يوم دخلت المستشفى وهي ساكتة. لا بتطلب لعب، ولا بتعيط، ولا حتى بتتخانق مع الأطفال على الكرتون أو العصير. كانت هادية بشكل يخوف الهدوء اللي بييجي بعد ما الروح تتعب.
أمها هناء كانت ست غلبانة جاية من قرية بعيدة في المنيا. باعت دهبها، وباعت الجاموسة الوحيدة اللي عايشين من لبنها، وحتى أوضة النوم باعتها عشان العلاج. وفي الآخر الدكتور قالها الجملة اللي كلنا بنكرهها
إحنا هنعمل اللي نقدر عليه لكن الحالة متأخرة.
من
وسلمى بطلت حتى تبص للناس.
الضحكة اختفت من وشها 3 شهور كاملين.
لحد يوم الأحد.
الساعة كانت 247 الضهر بالثانية. فاكرة الوقت كويس عشان كنت ببص على الساعة وأنا خارجة من أوضة طفل مات الصبح. كنت مخنوقة، وراسي هتنفجر من كتر العياط اللي كاتماه.
عديت جنب أوضة سلمى لقيتها لأول مرة واقفة على رجليها. ساندة جبينها الصغير على قزاز الشباك الكبير اللي بيطل على الشارع.
بصيت تحت لقيت كتيبة موتوسيكلات ضخمة ماشية صف طويل. حوالي 30 راجل، كلهم لابسين جاكيتات جلد، وصوت المحركات يهز الشارع.
سلمى رفعت إيدها الصغيرة وشاورت لهم.
كانت حركة بسيطة أوي كأنها بتقول باي.
يمكن لأنها كانت فاكرة إنها هتموت قريب.
ويمكن لأنها كانت نفسها حد يشوفها قبل ما تختفي.
29 موتوسيكل عدّوا ولا حد خد باله.
لكن آخر واحد وقف.
راجل ضخم بشكل يخض. أقرع، شنبه نازل على صدره، جسمه كله تاتوهات، وسلسلته الحديد تلمع تحت الشمس. كان شكله مرعب لدرجة إن الأطفال العاديين ممكن يعيطوا أول ما يشوفوه.
اسمه أطلس.
أطلس فجأة داس فرامل جامدة لدرجة إن الموتوسيكل زحف شوية على الأرض. الناس كلها بدأت تزمر، لكن هو نزل من على الموتوسيكل بهدوء غريب ورفع عينه
شاف سلمى.
البنت الصغيرة اللي ورا القزاز.
خلع الخوذة ببطء ورفع إيده الكبيرة اللي محفور عليها جملة KEEP MOVING
وبكل الرقة اللي مستحيل تتخيلها من راجل بالشكل ده شاور لها.
في اللحظة دي حصلت معجزة.
سلمى ضحكت.
والله العظيم ضحكت.
مش ابتسامة صغيرة لا.
ضحكة كاملة من قلبها. ضحكة خلت جسمها يهتز، وعينيها تلمع، وصوتها يطلع لأول مرة من شهور.
أمها هناء وقعت على الكرسي من العياط.
وأنا حسيت إني نسيت أتنفس.
لكن الأعجب إن ال موتوسيكل اللي كانوا قدامه، رجعوا كلهم في نفس اللحظة، وصفّوا تحت المستشفى.
30 محرك سكتوا مرة واحدة.
30 راجل واقفين يبصوا لطفلة صغيرة في الدور الرابع كأنها أهم شخص في الدنيا.
أطلس فضل باصص لها ثواني طويلة وفجأة عينه دمعت.
الراجل اللي شكله يخوف الحجر كان بيعيط.
بعد ساعة تقريباً، نزل أطلس على ريسبشن المستشفى. الأمن حاول يوقفه، لكن أول ما قرب من المكتب وشال النضارة السودا، شفت في عينه وجع عمره سنين.
قال لرئيس القسم أنا مش جاي أزعج حد أنا جاي أسدد دين.
الدكتور استغرب وقال دين إيه؟
أطلس سكت شوية وبعدين بص للدور الرابع وقال بنتي ماتت هنا من 11 سنة اسمها هالة.
الدكتور اتجمد.
أطلس كمل بصوت مبحوح في آخر يوم ليها كانت مستنية أشاور لها من تحت الشباك. وأنا اتأخرت وصلت بعد ما ماتت بدقايق.
وسكت.
كل اللي في الريسبشن كانوا ساكتين.
وقال الجملة اللي خلت الدكتور يدمع من يومها وأنا بعدي كل يوم حد من الشارع ده مستني طفل يشاور لي عشان أرد التحية اللي بنتي مستنتهاش.
والله ماكان فيه حد واقف وقتها وماعيطش.
الدكتور بنفسه فتح له باب القسم اللي ممنوع أي حد يدخله.
ومن اليوم ده كل يوم حد الساعة 247 بالثانية، الكتيبة كلها كانت تيجي.
أطفال القسم بقوا يستنوا الصوت من قبلها بنص ساعة.
الممرضات بقوا يفتحوا الشبابيك.
والشارع كله بقى يعرف المعاد.
الغريب إن الرجالة دول اللي الناس كانت تخاف منهم كانوا أحن ناس على الأطفال.
واحد اسمه شهاب كان يجيب فقاعات صابون ويطلعها لفوق.
واحد تاني اسمه مِشعل كان يلبس لبس مهرج مخصوص.
واحد أصلع ضخم اسمه رعد كان يعزف هادي على هارمونيكا قديمة.
أما أطلس فكان كل مرة يرفع لسلمى لعبة جديدة فوق دماغه عشان تضحك.
ومع الأيام الدور الرابع اتغير.
الأطفال اللي كانوا ساكتين بقوا يجروا للشبابيك.
الأمهات بقوا يسرحوا شعرهم.
حتى الدكاترة بقوا يبتسموا.
كأن الحياة رجعت للمكان شوية.
بعد 3 أسابيع في يوم الحد بالذات، سلمى طلبت ورق وألوان.
أمها استغربت لأنها بقالها شهور حتى مبتتكلمش.
فضلت ترسم طول الليل.
وتاني يوم الساعة 247 وقفت قدام الشباك ورفعت يافطة كبيرة.
الرجالة تحت بصوا لفوق.
وأطلس أول
اليافطة كان مكتوب فيها
متخافوش عليا هالة