الطفلة الصغيرة
المحتويات
بقت صاحبتي.
الشارع كله سكت.
أطلس بكى زي الأطفال.
بكى بصوت عالي لدرجة إن شهاب اضطر يسنده.
أما أم سلمى فكانت منهارة.
وفي الليلة دي لأول مرة من سنين، أطلس دخل الكنيسة اللي جنب المستشفى وقعد لوحده يبكي قدام صورة بنته.
لكن المفاجأة الأكبر كانت بعد كده بأيام.
الكتيبة كلها جم بعربيات نقل صغيرة.
ولما الأطفال بصوا من الشباك لقوا مفاجأة عمرهم.
30 موتوسيكل صغير للأطفال.
ملونين بكل الألوان.
ومكتوب على كل واحد اسم طفل من القسم.
الدنيا اتقلبت ضحك.
حتى الأطفال اللي متوصلين بالمحاليل نزلوا بالكراسي المتحركة يجربوا الموتوسيكلات الصغيرة في جنينة المستشفى.
وسلمى؟
سلمى كانت قاعدة على موتوسيكل أبيض صغير وأطلس ماشي جنبها ماسكها بإيده، كأنها بنته فعلاً.
ومن وقتها كل أسبوع كان فيه مفاجأة.
مرة مهرجان فقاعات.
مرة سينما في الجنينة.
مرة مطرب شعبي جه غنى للأطفال ببلاش.
مرة عملوا مطر صناعي في عز الحر عشان الأطفال يحسوا إنهم بيلعبوا تحت المطر.
والمستشفى اللي كان مليان ريحة موت بقى فيه حياة.
لكن المرض كان أقوى.
في ليلة شتوية باردة، الساعة 3 الفجر، الأجهزة بدأت تصفر.
الدكاترة جريوا.
وأنا كنت أول واحدة دخلت الأوضة.
سلمى كانت بتتنفس بالعافية.
أمها ماسكة إيدها وبتقرأ قرآن وهي بتترعش.
وفجأة سلمى فتحت عينها بصعوبة وقالت هو أطلس تحت؟
هناء انفجرت عياط وقالت
رغم إن الحقيقة مكانش موجود.
لكن بعدها بدقيقتين بالظبط سمعنا صوت محركات.
30 موتوسيكل.
في عز المطر.
أطلس كان واقف تحت الشباك رافع راسه لفوق كأنه حس.
سلمى ابتسمت.
ورفعت إيدها الضعيفة.
وأطلس شاور لها.
آخر تحية.
آخر مرة.
وبعدها بثواني الأجهزة سكتت.
وفي جنازة سلمى حصل شيء عمر المستشفى ما شافه.
30 راجل ضخم واقفين صفين، لابسين أسود، وكل واحد ماسك وردة بيضا.
وأطلس كان شايل نعش سلمى بنفسه.
ولما الدفن خلص قلع الجاكيت الجلد بتاعه، وحطه فوق قبرها، وقال بصوت مكسور
أنا اتأخرت على هالة بس وعد يا سلمى عمري ما هتأخر على طفل تاني.
ومن بعدها كل يوم حد الساعة 247، لحد النهارده كتيبة الموتوسيكلات بتيجي تحت المستشفى.
مش مستنيين حد يشاور.
هم بس بيأكدوا لكل طفل في الدور الرابع إن الدنيا لسه فيها ناس قلوبها حية.
بعد وفاة سلمى، المستشفى كلها دخلت في حالة صمت غريبة الصمت اللي بييجي بعد العاصفة. الدور الرابع بقى هادي بشكل يوجع القلب. لا ضحكة أطفال، لا صوت فقاعات، ولا حتى صوت هارمونيكا رعد اللي كانت بتخلي العيال ترقص على الكراسي المتحركة.
أكتر واحد اتكسر كان أطلس.
من يوم الجنازة، الراجل اختفى أسبوع كامل. لا ظهر تحت المستشفى، ولا حد رد على تليفونه. أفراد الكتيبة نفسهم ابتدوا يقلقوا، لأن أطلس عمره ما اختفى كده. حتى يوم وفاة بنته
لكن المرة دي كانت مختلفة.
في الليلة الثامنة، الساعة كانت داخلة على 2 بعد نص الليل، وأنا كنت في الشيفت الليلي لما سمعت صوت محرك واحد بس برا المستشفى.
بصيت من الشباك.
أطلس.
واقف لوحده تحت المطر.
لا خوذة لا جاكيت لا حتى السيجارة اللي عمره ما كان بيفارقها.
كان واقف يبص على شباك أوضة سلمى الفاضي.
وفجأة عمل حاجة عمري ما هنساها.
طلع من جيبه ورقة صغيرة مبلولة، ورفعها لفوق ناحية الشباك.
استغربت.
نزلت أجري تحت.
لقيته واقف ساكت وشه مرهق، وعينه حمرا كأنه ما نامش من أيام.
قلت له إنت كويس يا أطلس؟
ضحك ضحكة مكسورة وقال أنا طول عمري فاكر إني قوي لحد ما طفلة وزنها 20 كيلو كسرتني.
بصيت للورقة اللي في إيده.
كانت رسمة.
سلمى كانت راسمة 30 موتوسيكل وفي النص بنت صغيرة لابسة جناحات.
وفوق الرسمة مكتوب بخطها المتكسر متزعلش يا أطلس أنا وهالة بنستناك تضحك.
أول ما قريت الجملة حسيت قلبي اتعصر.
أطلس قعد على الرصيف تحت المطر ودفن وشه بين إيديه وانهار.
راجل الناس كلها بتخاف تبص له كان بيعيط بصوت طفل ضايع.
في اليوم اللي بعده، الكتيبة كلها رجعت.
لكن المرة دي، كانوا جايين بشكل مختلف.
كل واحد فيهم كان لابس جاكيت عليه اسم طفل من أطفال القسم اللي ماتوا خلال السنين اللي فاتت.
أسماء صغيرة محفورة
حتى الأطفال اللي ماتوا من سنين محدش نسيهم.
ومن ساعتها، الكتيبة قررت تعمل حاجة محدش توقعها.
قرروا يحولوا الجراج القديم اللي كان تحت بيت أطلس لمكان للأطفال.
الجراج ده كان زمان وكر للعصابات والخناقات، والناس كانت تخاف تعدي من جمبه.
في أقل من شهر اتحول لعالم كامل.
رسموا الجدران بألوان.
عملوا مكتبة صغيرة.
ركن ألعاب إلكترونية.
ركن رسم.
وحتى ورشة صغيرة يعلموا فيها الأطفال يصلحوا العجل والموتوسيكلات اللعبة.
وعلقوا فوق الباب لافتة ضخمة مكتوب عليها
بيت سلمى وهالة للضحكة.
الافتتاح كان يوم حد الساعة 247 بالظبط.
وأول طفل دخل المكان كان ولد عنده 8 سنين اسمه آدم، داخل المستشفى بمرض سرطان دم متأخر.
الولد كان مرعوب من العلاج، ورافض يتكلم مع أي حد.
لكن أول ما شاف أطلس، خاف واستخبى ورا أمه.
أطلس نزل لمستواه بهدوء، وطلع من جيبه لعبة صغيرة على شكل موتوسيكل أحمر وقال ده كان بتاع سلمى وكانت موصياني أديه لأول طفل يخاف مني.
آدم أخده ببطء.
وبعد ثواني ابتسم.
الكتيبة كلها سكتت.
لأنهم فهموا إن سلمى لسه موجودة.
الأيام عدت، والمكان بقى مشهور بشكل غريب. ناس من كل المحافظات بقوا ييجوا يشوفوا رجالة الموتوسيكلات اللي بيعالجوا الأطفال بالضحك.
قنوات تلفزيون حاولت تعمل معاهم لقاءات، لكن أطلس كان يرفض دايماً.
كان يقول
لكن أكتر حاجة هزت الكل كانت اللي حصل بعد 6
متابعة القراءة