انتقام مريم الدمنهوري

لمحة نيوز

أبواب السجن اتفتحت مع أول خيط نور في الفجر، وصوت الحديد وهو بيتزق كان عامل زي إعلان بداية حرب قديمة اتأجلت سنتين كاملين. مريم الدمنهوري خرجت بخطوات هادية، ثابتة، لا فيها ارتباك واحدة لسه خارجة من زنزانة، ولا لهفة حد مستني حضن أو نجاة. المطر كان لسه سايب أثره على أرضية الشارع، والهوا البارد في إسكندرية دخل صدرها بقسوة، لكنه ما قدرش يهزها. كانت حاسة إن قلبها اتحرق من زمان لدرجة إن البرد نفسه بقى مالوش تأثير. وقفت لحظة قدام بوابة السجن، رفعت وشها للسما، وخدت نفس طويل، وبعدها ابتسمت لأول مرة من سنتين ابتسامة صغيرة مرعبة، ابتسامة واحدة قررت خلاص إن الحساب بدأ.
أدهم الشاذلي ماجاش. وطبعًا ما كانش هييجي. هو خلص دوره من زمان. يوم ما وقف في المحكمة ببدلته الغالية، ودموعه المتصنعة، وقال للقاضي إن مراته حاولت تقتل عشيقته الحامل بسبب الغيرة. الناس كلها صدقته بسهولة، لأنه بيعرف يمثل كويس، ويعرف إمتى يطبطب وإمتى يعيط وإمتى يبص بكسرة قدام الكاميرات. أما مريم، فكانت واقفة ساكتة، بعينيها الجامدة، لا بتصرخ ولا بتنهار. والغريب إن المجتمع دايمًا بيصدق اللي يعيط أكتر من اللي ساكت.
ياسمين رفعت كانت قاعدة جنبه وقتها، لابسة الأبيض، باين عليها الانهيار، حاطة إيدها على بطن فاضية أصلًا، والتانية

متزينة بأسورة ألماظ تخص مريم. الأسورة اللي أبوها جابهالها يوم ما استلمت أول منصب كبير في شركته. يومها القاضي حكم بسرعة، والإعلام لعب دوره، والعناوين اتكتبت سيدة أعمال تحاول قتل عشيقة زوجها الحامل. وفي أسبوع واحد، اتحولت مريم من اسم محترم في عالم المال إلى مجرمة.
لكن اللي محدش عرفه وقتها إن مريم ما انهارتش.
في السجن اتعلمت أكتر مما اتعلمته طول حياتها. اتعلمت إن البشر بيتعروا لما السلطة تختفي. وإن أكتر الناس هدوءًا ممكن يكونوا أخطر ناس قابلتهم. الستات هناك كانوا مدارس كاملة. واحدة قتلت جوزها بعد عشرين سنة ضرب. واحدة اتحبست بدل ابنها. واحدة اتلفق لها قضية لأنها رفضت تنام مع ظابط. وكل واحدة فيهم سابت جوا مريم درس.
لكن أهم درس كان الانتقام الحقيقي ما بيبقاش بالصوت العالي الانتقام الحقيقي بيكون بالصبر.
ولأن أدهم كان غبي رغم ذكائه، نسي إن مراته قبل ما تكون زوجة مطيعة، كانت محاسبة جنائية عبقرية. بنت رجل أعمال كبير، فاهمة الشركات الوهمية، وغسيل الأموال، والتحويلات اللي بتستخبى تحت ألف توقيع. نسي إنها كانت هي العقل اللي بيحرك أغلب صفقاته. ولما حب يسرق الشركة، افتكر إن الحب خلاها عمياء.
ركبت مريم عربية الأستاذة سلوى منصور، أستاذتها القديمة في الجامعة، والمرأة الوحيدة اللي فضلت مؤمنة
ببراءتها. سلوى ما سألتهاش أي أسئلة سخيفة. ما قالتش وحشتيني، ولا حمد لله على السلامة. بصتلها بس وقالت جاهزة؟ ومريم ردت وهي بتبص للطريق لا بس هو جاهز.
بعد 3 أيام، القاهرة كلها كانت بتتكلم عن حفل خطوبة أدهم الشاذلي وياسمين رفعت. حفلة ضخمة فوق برج فاخر كان أصلًا مشروع من مشاريع أبو مريم. الإعلام كان بيصورهم كأنهم قصة حب انتصرت على المأساة. ياسمين بفستان أبيض مرصع، وأدهم مبتسم بفخر، والناس بتبارك وتضحك وتتصور. ولا حد فيهم كان يعرف إن العد التنازلي بدأ.
في شقة صغيرة بمدينة نصر، كانت مريم قاعدة قدام لابتوب قديم، شعرها مربوط بعشوائية، ووشها خالي من أي ملامح. الأستاذة سلوى كانت بتحط لها القهوة، بينما الشاشة قدامها بتكشف خيوط القذارة واحدة واحدة.
تحويلات بملايين خارج مصر. شركات بأسماء وهمية. مخازن أدوية وهمية. توريدات مضروبة للمستشفيات. رشاوي. حسابات سرية. وتوقيعات مزورة باسمها هي.
أدهم ما سرقش الشركة بس أدهم حول إرث أبوها كله لمستنقع وسخ.
لكن ده ما كانش كفاية بالنسبة لها.
هي ما كانتش عايزة فلوسه. كانت عايزة تدمر الصورة اللي مستخبي وراها.
بعد أسبوع، رحاب، ممرضة سابقة في مستشفى خاص، دخلت شقة مريم وهي مرعوبة. كانت ماسكة ملف قديم وإيديها بتترعش. قالت أنا مقدرتش أنام من يوم المحكمة.
فتحت الملف. تحليل حمل سلبي. لا يوجد جنين. لا يوجد إجهاض. ولا أي إصابة أصلاً. ياسمين كانت سكرانة، وقعت قدام فندق، ولما أدهم شاف الفرصة لفّق كل حاجة.
مريم خدت الورق بهدوء شديد، لكن عينيها لمعوا للمرة الأولى.
ولما رحاب طلعت موبايل قديم وقالت وفي حاجة كمان الدنيا كلها اتغيرت.
الفيديو كان لياسمين. قاعدة بتضحك مع صاحبتها. وبصوت واضح قالت هقول إنها زقتني وأدهم وعدني نتجوز أول ما تروح في داهية.
ساعتها بس مريم ضحكت.
مش ضحكة فرح. دي كانت ضحكة واحدة شافت خصمها وقع أخيرًا تحت إيدها.
ومن هنا بدأت اللعبة الحقيقية.
في صمت كامل، بدأت تحرك كل حاجة.
محاسب قديم في الشركة اختفى يومين ورجع موافق يشهد. موظف بنكي سرب تحويلات. مكتب محاماة دولي دخل على الخط. نيابة الأموال العامة وصلها ملف مجهول. صحفي اقتصادي استلم مستندات. وكل ده حصل من غير ما اسم مريم يظهر مرة واحدة.
أدهم كان مشغول بالفرح. بشهر العسل. بالعربية الجديدة. بالتصريحات. وبالعروسة اللي فاكر إنها بتحبه.
لحد يوم بروفة الفرح.
كان واقف وسط القاعة بيزعق في العمال بسبب الإضاءة، لما مديره المالي جري عليه وشه أصفر الحسابات اتجمدت.
أدهم ضحك وقتها. افتكرها مشكلة بسيطة. لكن بعدها بدقيقة، جاتله رسالة من البنك. وبعدها اتصال من شريك إماراتي بيلغي
تعاقد. وبعدها إشعار من
تم نسخ الرابط