الطيارة كانت بتعلى واحدة واحدة، والقاهرة تحتينا بتصغر كأنها صورة قديمة بتتقفل في درج واترمت مفاتيحه. سيف نام على كتفي وهو حاضن الدبدوب بتاعه، ومروان غلبه النوم وهو لسه باصص من الشباك كأنه مستني أبوه يجري ورا الطيارة ويقولهم استنوا، أما ملك فكانت ساكتة بطريقة أكبر من سنها بكتير، البنات لما بيتكسر قلبهم بدري بيتحولوا لنسخ صغيرة من الستات، وأنا مكنتش عايزة بنتي تبقى ست وهي لسه طفلة. غطيتهم كلهم بالبطانية، وبعدين فتحت رسالة أستاذة نجوى كاملة. التحويلات اللي بعتيهالي طلعت حقيقية، وفي حسابات باسم شركة وهمية مرتبطة برضا وهدير، وفي حاجة أهم تحليل المعمل اللي اتبعت للدكتور النهاردة عليه ملاحظات خطيرة. قلبي مدقش بسرعة، بالعكس هدي بشكل مرعب. ساعات الصدمة الكاملة مبتبقاش صريخ، بتبقى هدوء بارد زي التلج. بصيت من الشباك وافتكرت أول يوم شفت فيه رضا. كان شاب بسيط وقتها، لابس قميص أبيض رخيص وعنده حلم أكبر من جيبه بكتير. اتقابلنا في معرض كتاب، وأنا كنت لسه متخرجة من كلية الفنون وبشتغل تصميم أغلفة بدراهم. فضل يلف حوالين نفس دار النشر تلات مرات عشان يلاقي حجة يكلمني بيها، ولما كلمني اتلخبط ووقع منه كوب القهوة على الجزمة
بتاعتي. ضحكت وقتها، وهو فضل يعتذر بطريقة خلتني أحس إنه أطيب راجل في الدنيا. يمكن دي كانت أول غلطة إني صدقت الطيبة اللي في البدايات على إنها حقيقة كاملة. اتجوزنا بسرعة، أسرع مما أهلي كانوا مرتاحين له. أمي قالتلي يومها الحب الحلو لازم يتسابله وقت يا بنتي. وأنا افتكرتها خايفة زيادة عن اللزوم. بعد الجواز بدأت أكتشف إن رضا عنده جوع غريب للحاجة اللي مش معاه. لو معاه ألف يبص للمليون، ولو معاه شقة يبص للفيلا، ولو معاه ست بتحبه يبص لأي تبهره للحظة. بس وقتها كان لسه بيحبني بطريقته، أو يمكن كان بيحب فكرة إن في حد مصدقه مهما الدنيا دست عليه. أول سنتين كانوا صعبين جدًا. شركته الصغيرة خسرت، واتراكمت عليه ديون، وفي ليلة فاكرة تفاصيلها بالحرف، رجع البيت الساعة اتنين الفجر وقعد يعيط زي الأطفال. قالي لو الشركة وقعت هنتحبس. وأنا وقتها مكنش معايا غير دهب أمي اللي سايباهولي وشوية ورث صغير من أبويا. تاني يوم بعتهمله من غير ما أفكر. الحجة كريمة وقتها قالتلي جدعة يا بنتي، الست الأصيلة بتسند جوزها. بس لما الشركة نجحت بعد كده بسنين، محدش افتكر مين اللي دفع أول فاتورة نجاة. رضا اتغير بالتدريج، التغيير اللي بيحصل ببطء لدرجة إنك
كل يوم تقولي معلش ضغط شغل، معلش متوتر، معلش الدنيا واخداه. لحد ما تلاقي نفسك عايشة مع بني آدم متعرفهوش. بقى يرجع متأخر، يمسك التليفون وهو مقلوب، يقفل باب البلكونة عشان ياخد مكالمات، وينفجر في وشي لو سألته سؤال عادي. وفي نفس الوقت قدام الناس؟ الزوج المثالي. يجيبلي ورد قدام أصحابه، ينزل صورتي في عيد جوازنا، ويكتب كلام يخلي الناس تقول الله، الحب الحقيقي لسه موجود. وأنا كنت ساكتة. يمكن عشان العيال، يمكن عشان خايفة من الخراب، ويمكن عشان الست لما بتقضي سنين تبني بيت بإيديها، بيبقى صعب عليها تصدق إنه بيتحرق وهي جواه. . وبعدها قلب الترابيزة عليا، وبقيت أنا الغيورة والمريضة واللي بتفتش ورا جوزها. ودي كانت لعبته المفضلة يخليك تشك في نفسك بدل ما تشك فيه. الشهور اللي بعدها كانت جحيم بارد. هدوء سام، تجاهل، اختفاء، اختفت من سنين. لحد الليلة اللي رجع فيها البيت وطلب الطلاق وهو بيشرب قهوته كأنه بيطلب تغيير نوع الستاير. قالي إحنا بقينا بنعذب بعض. وأنا بصيتله وسألته ولا أنت اللي لقيت حد جديد يعجبك أكتر؟ مبصليش حتى وهو بيرد أنا من حقي أبقى سعيد. الجملة دي قتلت أي حاجة كانت عايشة جوايا ناحيته. لأنه نسي إن سعادته دي كانت
مبنية فوق ضهر واحدة شقيت واتكسرت عشانه سنين. بعدها بأسبوعين عرفت إن هدير . الخبر انتشر وسط عيلته كأنه فتح إسلامي. الحجة كريمة بقت تكلم الناس عن الحفيد اللي هيشيل اسم العيلة، مع إن أحفادها التلاتة كانوا موجودين وبيسمعوها وهي بتقول كده. ملك قفلت على نفسها يومين بعد ما سمعت جدتها بتقول لصاحبتها أصل هدير شكلها هتجيب الواد اللي هيغير حياة رضا. بنتي وقتها سألتني يعني إحنا مش كفاية؟ والسؤال ده فضل يطاردني كل ليلة. لكن اللي محدش كان يعرفه إن قبل الطلاق بشهر، وأنا بدور على ورق التأمين في المكتب بتاع رضا، لقيت فايل كامل مستخبي. تحويلات مالية، صور عقود، وإيميلات بينه وبين . ومن وسط الورق ده، لقيت تاريخ بداية . التاريخ كان قبل ما يقول معملتش . مصورتش الورق وبعتّه لأهله. أنا بس بدأت أجهز. اتواصلت مع شركة في لندن كانت طالبة تشتغل معايا من سنة، وكنت رفضت وقتها عشان رضا قاللي شغلك هنا ومع عيالك أهم. قدمت تاني في السر، واتقبلت. بعدها بدأت أجمع كل حاجة بهدوء. كل مستند، كل تحويل، كل كلمة. وأستاذة نجوى كانت بتقولي كل مرة خليه فاكر إنه كسبان. وده اللي عملته بالظبط. خليته يحس إني انهرت. وافقت على بنود كتير ظاهرها ضدي، لحد
ما مضى