بس الدموع ساعات بتيجي متأخرة قوي لدرجة إنها مبترجعش حاجة. الشهور عدت، والحياة هنا بدأت تاخد شكل جديد. بقيت أصحى بدري أجهز العيال، أنزل أوصلهم، أروح دار النشر، أرجع أطبخ، أذاكر، وأنام منهكة بس مرتاحة. الراحة دي كانت جديدة عليا لدرجة إني ساعات كنت بصحى مفزوعة في نص الليل مستنية خناقة أو باب يتفتح بعنف أو تريقة سخيفة على أكلي أو شكلي وبعدين أفتكر إن محدش هنا هيكسر خاطري. مرة، وأنا قاعدة بشتغل على تصميم غلاف رواية، مديرة الدار وقفت ورايا وقالتلي إنتِ موهوبة بشكل يضايق. ضحكت وقتها، ضحكة حقيقية طالعة من قلبي، يمكن أول ضحكة بجد من سنين. لأن رضا طول عمره كان يقلل من شغلي. يقول إنه هواية لطيفة، وإن البيت والعيال أهم. ولما شركته كبرت كان بيقدمني للناس على إني مراته وبس. كأني اختفيت جوه اسمه. هنا لأول مرة حسيت إن ليا اسم لوحدي. لكن الماضي مكنش بيسيبنا بسهولة. في ليلة مطر تقيلة، مروان صحي مفزوع وهو بيعيط. جريت عليه لقيته بيترعش. قالي حلمت إن بابا نسي شكلنا. الكلمة قسمتني نصين. قعدت جنبه لحد الفجر أحكيله حكايات وأكدله إن اللي بيحب عمره ما ينسى. بس جوايا كنت عارفة إن بعض الناس بينسوا فعلًا مش الوجوه، لكن قيمة اللي كان عندهم. بعدها بكام أسبوع، جالي إيميل من مصر. المرسل هدير. فضلت باصة للاسم
دقيقة كاملة قبل ما أفتحه. كانت كاتبة قلبي تقبض. كملت قراية. . قفلت الإيميل ومردتش. مش لأن معنديش كلام، لكن لأن التعب أحيانًا بيخليك تتخطى الرغبة حتى في العتاب. بعدها بشهر، أستاذة نجوى كلمتني وقالت إن التحقيقات كبرت. اتضح إن رضا وكريم كانوا بيهربوا فلوس الشركة في حسابات وهمية من سنين، ولما الخلافات انفجرت بينهم بعد موضوع هدير، كريم بدأ يبيع أسرار ابن عمه عشان ينجو بنفسه. الشركة دخلت في دوامة قضايا، وشركاء كبار انسحبوا. الراجل اللي كان بيعمل نفسه إمبراطور الأعمال بقى الناس بتهمس باسمه في الجلسات زي العار. وفي وسط كل ده، الحجة كريمة تعبت فعلًا. جلطة خفيفة خلت نص وشها يوجعها ومبقتش تعرف تتكلم زي الأول. لما سمعت الخبر، فضلت ساكتة فترة طويلة. أخويا جابر قالي متزعليش عليها بعد اللي عملته. لكن الغريب إني مزعلتش ومفرحتش. حسيت بس إن الدنيا دايمًا بتلف. يمكن مش بنفس الطريقة اللي الناس تتخيلها، بس محدش بيفضل واقف فوق طول العمر. بعد سنة كاملة، حياتنا كانت اتغيرت تمامًا. ملك بقت أطول، شخصيتها أقوى، وبقت تكتب قصص قصيرة بالإنجليزي وتحلم تبقى كاتبة. مروان دخل فريق كورة المدرسة، وسيف بقى بيتكلم بإنجليزي مكسر يضحكنا كلنا. أما أنا، فبقيت مديرة القسم الإبداعي في الدار، وبقيت أسافر معارض كتب وأقابل
ناس كانت زمان مجرد أسماء على أغلفة الروايات. وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت بواب العمارة بيقولي في راجل مستني حضرتك. قلبي دق بسرعة غصب عني. نزلت لقيت رضا. واقف تحت المطر الخفيف، أضعف، أرفع، وشعره داخله شيب كتير. أول حاجة خدت بالي منها إنه بقى شبه أبوه جدًا. الزمن ساعات بينتقم بطريقته. وقف يبصلي كأنه مش مصدق إني قدامه فعلًا. وأنا كمان اتصدمت للحظة مش عشانه، لكن عشان الست اللي كنتها زمان كانت ممكن تقع وتعيط أول ما تشوفه. أما دلوقتي؟ كنت هادية بشكل غريب. قال بصوت مبحوح كبرتي. ضحكت ضحكة صغيرة وأنت كبرت بسرعة. نزل عينه الأرض. ممكن نتكلم؟ قعدنا في كافيه صغير جنب العمارة. أول عشر دقايق كان ساكت، يبص لفنجان القهوة كأنه بيستجمع شجاعة. وبعدين قال أنا جيت عشان أعتذر. الكلمة وقفت بينا لحظة. زمان كنت مستنية الاعتذار ده زي العطشان. دلوقتي حسيت إنه جاي من حياة قديمة جدًا. قال وهو بيبلع ريقه أنا دمرت كل حاجة حلوة كانت عندي. مردتش. فقال كنت فاكر إني لما ألاقي حد يبهرني هحس إني لسه صغير ومهم بس طلعت بهرب من نفسي. وبعدين بصلي لأول مرة بصدق حقيقي يمكن عمري ما شفته فيه قبل كده إنتِ الوحيدة اللي حبتيني وأنا ولا حاجة. الدموع لمعت في عينيه، لكنه كمل ولما بقيت حاجة خنتك. سكت طويلًا، وأنا كنت سامعاه
بهدوء. الغريب إن الجرح لما يخف فعلًا، بيبقى عندك قدرة تسمع اللي وجعك من غير ما تنزف تاني. قال أنا مش طالب ترجعي عارف إن ده مستحيل. بس كنت محتاج أقولك إني ندمان. شربت رشفة قهوة وبعدين قلت بهدوء الندم مش دايمًا بيصلح الخراب يا رضا. هز راسه ببطء عارف. بعدها طلب يشوف العيال. ولأنهم في الآخر ولاده، وافقت. لما شافهم، كانت لحظة صعبة بشكل مش طبيعي. ملك وقفت مترددة، ومروان جري حضنه وعيط، وسيف فضل مستخبي ورايا أول خمس دقايق. رضا انهار وقتها فعلًا. فضل يبوسهم ويقولهم إنه آسف وإنه بيحبهم. وبعد ما مشي، ملك سألتني هو بابا بقى كويس؟ بصيتلها وقلت الناس ممكن تتغير بس بعد ما تخسر كتير. الليلة دي، وأنا واقفة في بلكونة الشقة ببص على نور لندن، استوعبت حاجة أخيرًا. أنا طول عمري كنت فاكرة إن نهاية جوازي هي نهاية حياتي. لكن الحقيقة؟ كانت البداية. البداية اللي
اتولدت فيها من جديد، مش كزوجة حد، ولا أم بس، ولا ست مستحملة عشان البيت ما يقعش. لأ اتولدت كبني آدمة كاملة، تعرف إنها تستحق الحب من غير ذل، والراحة من غير خوف، والحياة من غير ما تضحي بنفسها كلها عشان حد مش مقدرها. وفي مصر، الناس لسه بتحكي حكاية رضا وفضيحته، لكن هنا محدش يعرفني كضحية. يعرفوني باسمي وبشغلي وضحكتي. وده كان أعظم انتقام أخدته من الدنيا
كلها.