على البند اللي يسمحلي أسافر بالعيال بشكل دائم بحجة التعليم والعلاج النفسي بعد الطلاق. مضى وهو مستعجل يخلص ويروح . يوم جلسة الطلاق نفسها، كان بيبص في ساعته طول الوقت لأنه كان مستني ميعاد . تخيل راجل بيخلص جوازه القديم ومستعجل يلحق الاحتفال بالجديد في نفس اليوم! ولما الطيارة استقرت في الجو، تليفوني رن. كان رقم مصري غريب. رديت وأنا واطية صوتي. جالي صوت ست بتعيط أنتِ ماريانا؟ اتعرفت على الصوت بعد ثواني كانت هدير. سكت ثانيتين كاملين. وبعدين قالت بصوت مكسور أنا محتاجة أقابلك. قلبي متحركش، بس عقلي اشتغل بسرعة. قلتلها ببرود بعد اللي عملتيه؟ قالت وهي شبه بتشهق أنا كنت غبية ومكنتش أعرف كل حاجة. فضلت ساكتة. فقالت الجملة اللي قلبت الدنيا جوايا الط. قفلت عيني للحظة. مش صدمة لأ، كنت متوقعة. لكنها كملت وأخو رضا كان عارف. الدم جمد في عروقي. مين؟ كريم. كريم ابن عمه اللي كان دايمًا لازق فيهم، واللي رضا دخله شريك معاه من سنة. واستلطفته عيلته، كريم خاف وسكت. ورضا من غروره وحبه لفكرة الولد اتعلق ومفكرش يحسبها صح. قلتلها وإنتِ بتقوليني الكلام ده ليه دلوقتي؟ ردت بصوت مرعوب عشان الدكتور النهاردة قال لازم نعمل تحليل
إضافي بسبب وكريم اختفى، ورضا كان هيضربني لما شكيت . سكتت وبعدين قالت وهي بتعيط أنا خايفة. للحظة حسيت بحاجة شبه الشفقة، بس افتكرت بنتي وهي بتسألني إحنا مش كفاية؟، وافتكرت الليالي اللي نمت فيها وأنا ببص للسقف وأسأل نفسي إيه اللي ناقصني. قلتلها بهدوء دي مشكلتك دلوقتي يا هدير. وقفلت. بعدها بأقل من ساعة، أستاذة نجوى بعتتلي تسجيل صوتي قصير. والحاج عبد السميع خد كريم على جنب ولما زنقه انهار واعترف إنه كان على فعلًا. العيلة كلها قلبت على بعضها في لحظة. الزغاريط بقت صويت، والاحتفال بقى . ووسط كل ده، رضا اكتشف كمان إن البنك جمد جزء من حساباته بسبب التحقيقات اللي بدأت في التحويلات اللي كنت مبلغاها عنها من شهور. الراجل اللي كان فاكر نفسه كسب كل حاجة، خسر كل حاجة في يوم واحد. وأنا؟ كنت قاعدة في الطيارة، وولادي نايمين حواليا بأمان لأول مرة من سنين. لما وصلنا لندن، الدنيا كانت ساقعة والجو ممطر، بس لأول مرة المطر محسسنيش بالخوف. الشقة الصغيرة اللي الشركة مأجرهالي كانت دافية بشكل غريب، ويمكن عشان مفيهاش صوت خناق، ولا توتر، ولا راجل حاسس إنه من حقه يكسرك عشان يحس إنه قوي. الأيام الأولى كانت صعبة. ملك كانت بتعيط
بالليل من غير ما تحب تبين، ومروان كان بيصحى يسأل إذا باباه هيتصل، وسيف كان بيرسم بيت كبير كل شوية ويحطنا كلنا جواه، حتى رضا. الأطفال بيحبوا من غير شروط، حتى اللي كسرهم. لكن واحدة واحدة، بدأنا نتنفس. ملك دخلت مدرسة جديدة وبقت تضحك تاني. مروان رجع يلعب كورة. وسيف بطل يخاف من النوم لوحده. وبعد تلات شهور، جالي اتصال من رقم مصر. كان رضا. رديت بعد تردد. صوته كان متكسر وعجوز بشكل مخيف. قالي أنا خسرت كل حاجة. مردتش. فقال هدير وكريم سافر والشركة تحت التحقيق وأمي تعبت. فضلت ساكتة. وبعدين قال ماريانا أنا كنت غبي. ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة متأخر قوي يا رضا. سكت شوية، وبعدين سأل العيال كويسين؟ بصيت عليهم من باب الأوضة وهم بيتفرجوا على فيلم ويضحكوا، وقلت أحسن من زمان بكتير. ولأول مرة من سنين، وأنا بقفل المكالمة، محسيتش بوجع ولا غضب ولا حتى رغبة في الانتقام. حسيت بحاجة واحدة بس إن الست اللي خرجت من المحكمة يومها وهي شايلة فايل في إيدها وتلات عيال في قلبها، كانت فاكرة إنها هاربة، لكنها في الحقيقة كانت أخيرًا بتنقذ نفسها.
بعد المكالمة دي بأسبوع تقريبًا، كنت واقفة في مطبخ الشقة الصغيرة في لندن بعمل سندوتشات للعيال
قبل المدرسة، لما لقيت ملك داخلة عليا وهي ماسكة تليفونها ووشها متغير. قلبي وقع قبل حتى ما تتكلم. من ساعة اللي حصل وأنا بقيت بخاف من أي ملامح خوف على وش ولادي أكتر من خوفي على نفسي بمراحل. قالتلي بصوت واطي بابا باعتلي رسالة. إيدي وقفت في نص الهوا. بيقول إيه؟ مدتلي التليفون. الرسالة كانت قصيرة جدًا وحشتيني يا ملوكة. ممكن تردي على بابا؟ مفيهاش تهديد، ولا لعب دور الضحية، ولا حتى اعتذار. بس الغريب إن الجملة البسيطة دي هزت حاجة جوايا أنا شخصيًا. لأن مهما حصل، رضا كان أبوهم. بتكسر الجواز، إنما الأطفال دايمًا بيفضلوا واقفين في النص، شايلين حطام الكبار فوق قلوبهم الصغيرة. ملك بصتلي وقالت هو ليه بيكلمني دلوقتي بس؟ السؤال دخل في صدري زي السكينة. قعدتها جنبي وقلت بهدوء عشان يمكن بدأ يفهم هو خسر إيه. هزت راسها، بس عينيها كانت مليانة زعل أكبر من سنها. بس أنا مش عارفة أتكلم معاه ولا أزعقله. جامد. مش لازم تعملي أي حاجة دلوقتي. انتي طفلة، ومش مطلوب منك تصلحي غلط الكبار. لكنها في الآخر ردت عليه بعد يومين. رسالة صغيرة جدًا إحنا كويسين. ولما رضا شاف الرسالة، أستاذة نجوى قالتلي إنه عيط. أول مرة حد يشوفه بيعيط من سنين.