اعتنيت بجارة مسنّة لسنوات طمعا في ميراثها
جيمس كان فاكر طول عمره إن الدنيا ماشية بقانون واحد بس مافيش حاجة ببلاش. من وهو طفل صغير بيتنقل بين دور الرعاية والبيوت المؤقتة، اتعلم إن أي حد يبتسم لك النهارده ممكن يختفي بكرة من غير حتى ما يقول سلام. أمه سابته وهو رضيع، وأبوه قضى أغلب عمره ورا القضبان، ولما كبر شوية بقى يحفظ وجوه الموظفين الاجتماعيين أكتر ما يحفظ وشوش الناس اللي المفروض يكونوا عيلته. كل شنطة كان بيفتحها في بيت جديد، كان يقفل نص قلبه معاها، عشان مايتعلقش بمكان ولا بحد. ولما بلغ السن القانوني وخرج من النظام، كان معاه كيس هدوم، شوية فلوس بالكاد تكفي أسبوع، وإحساس ثقيل إنه لو وقع محدش هيمدله إيده.
وصل لبلدة صغيرة ورخيصة عشان يبتدي أي حياة وخلاص. اشتغل في كل حاجة نقل صناديق، تنظيف مخازن، تصليح أسوار، تحميل بضاعة، وأوقات كان ينام من التعب من غير عشا. الناس هناك كانوا عارفينه بالشاب الهادئ اللي ما بيتكلمش كتير. وفي يوم وهو بيصلح سياج قديم قدام بيت صغير في آخر الشارع، سمع صوت ست عجوز بتزعق من البلكونة ولد! إنت هتوقع السور على دماغك بالطريقة دي! رفع راسه لقاها ست كبيرة بشعر أبيض وعينين حادتين كأنهم لسه شباب. لو عايز تشتغل بجد، تعالى عندي بكرة. كانت دي أول مرة يشوف
من أول يوم وهي كانت صعبة بشكل يجنن. لو جاب نوع الشاي الغلط تشتكي، لو ركن العربية بعيد شوية تفضل تتذمر عشر دقايق، ولو اتأخر خمس دقايق تفتح الباب وهي تقول واضح إنك قررت تسيبني أموت لوحدي. لكنها رغم كل ده كانت تدفعله كويس، والأهم إنها كانت تتكلم معاه كأنه إنسان له قيمة، مش مجرد عامل بيقضي خدمة وخلاص.
بعد أسبوعين، قالتله وهي قاعدة قدام المدفأة أنا هموت قريب يا جيمس، والدكاترة قالوا اللي عندي ملوش رجعة. سكت ومردش. قالت وهي تبصله مباشرة لو فضلت تساعدني لحد النهاية، كل اللي أملكه هيبقى ليك. الكلمات ضربته بقوة. بيت، شوية مدخرات، يمكن لأول مرة يبقى عنده مكان ثابت فعلًا. مد إيده وصافحها اتفقنا.
ومن اليوم ده، بقى جزء من حياتها. يصحى بدري يجيب طلباتها، يوديها المستشفى، ينضف البيت، يصلح الحنفية، يبدل اللمبات، ويقعد يسمعها وهي تشتكي من الحكومة والطقس وأكل المستشفى والناس اللي بقوا بلا تربية على حد وصفها. وفي المقابل، بدأت تحكيله عن حياتها. عن زوجها اللي مات من سنين طويلة، وعن طفل فقدته وهو صغير، وعن الوحدة اللي كانت تاكل البيت بعد المغرب.
ومع الوقت، الحاجز اللي جواه بدأ يضعف. لأول مرة حد يسأله رجعت البيت ولا لسه؟ أكلت كويس
وفي يوم برد قارس، رمَتله زوج شرابات صوف خضراء قبيحة جدًا. خد دول، رجلك شكلها بيتجمد. ضحك رغمًا عنه. دي أبشع شرابات شوفتها في حياتي. ردت بسرعة والله وشك يناسبهم.
ولأول مرة من سنين، ضحك من قلبه.
الشهور عدت، وبقى وجوده في البيت شيء طبيعي. كان أحيانًا يقعد بعد ما يخلص شغله يشرب معاها شاي ويتفرجوا على برامج قديمة. وكانت ساعات تبصله فجأة وتسأله إنت عمرك حسيت إنك لقيت بيتك؟ ماكانش يعرف يرد.
وفي صباح شتوي هادي، دخل البيت بالمفتاح اللي ادتهوله، وناداها كعادته صباح الخير يا ست رود. مافيش رد. لقاها قاعدة على الكرسي المفضل قدام التلفزيون، فنجان الشاي جنبها بارد، وعينيها مقفولين بهدوء. عرف فورًا إنها رحلت.
الجنازة كانت صغيرة. ناس قليلة جدًا حضروا، أغلبهم ماكانوش بيزوروها أصلًا وهي عايشة. وبعد يومين، راح جلسة قراءة الوصية وهو متوتر لكن جواه أمل كبير. المحامي فتح الملف وابتدى يقرأ البيت للجمعية الخيرية. المدخرات للكنيسة. المجوهرات لبنت أخت بعيدة ماحدش شافها من سنين. وجيمس لا شيء.
حس وقتها كأن حد خبطه بمطرقة في صدره. قعد مذهول، مستني يسمع اسمه تاني، أي حاجة، حتى رسالة صغيرة. لكن الجلسة انتهت والمحامي قفل الملف.
خرج من المكتب وهو حاسس إنه أغبى شخص في العالم. فضل طول الليل يبص للسقف ويفتكر كل مرة ساعدها فيها، كل مرة جري فيها عشانها، وكل لحظة صدق إنها فعلًا اعتبرته شخص قريب منها. بدأ يقنع نفسه إنها كانت بتستغله من البداية. وإنه رجع لنفس الدرس القديم ماتصدقش حد.
نام معظم اليوم اللي بعده من القهر والتعب. وفجأة، خبط على الباب.
فتح لقى المحامي واقف شايل علبة معدن قديمة مخبوطة من الجنب. قال بهدوء السيدة رود تركت تعليمات إضافية. قالت ما أسلمكش دي إلا بعد قراءة الوصية بيوم. وحط العلبة في إيده ومشي.
قفل الباب ببطء وفتح العلبة. جواها كان فيه مفتاح قديم، وظرف عليه اسمه بخط مرتعش.
فتح الرسالة وابتدى يقرأ جيمس غالبًا إنت دلوقتي زعلان وبتفتكر إني ضحكت عليك. لكن لو كنت كتبتلك أي شيء في الوصية، كنت هتخسره قبل حتى ما تستلمه.
وقف قلبه لحظة.
كملت الرسالة في ناس من عيلتي كانوا مستنيين موتي أكتر من انتظارهم يشوفوني. ولو عرفوا إني سيبتلك حاجة، كانوا هيرفعوا قضايا ويحولوا حياتك لجحيم. لذلك قسمت كل شيء بشكل يخليهم ساكتين لكن الحاجة الحقيقية خبّيتها ليك.
إيده بدأت ترتعش.
المفتاح ده يفتح الخزانة رقم 214 في محطة القطار القديمة.
في اليوم التالي، راح المحطة المهجورة