اعتنيت بجارة مسنّة لسنوات طمعا في ميراثها

لمحة نيوز

العجوز بص للمفتاح باستغراب ووداه للخزانة المعدنية القديمة. قلبه كان بيدق بعنف وهو بيفتح الباب الصدّيء.
جواه كانت حقيبة جلدية سوداء مليانة أوراق وملفات، وفوقهم ظرف جديد.
فتح الظرف بسرعة.
البيت اللي كنت ساكنة فيه مرهون من سنين، والمدخرات اللي سمعوا عنها أقل بكتير مما يتخيلوا. لكن الحاجة الوحيدة اللي كنت أملكها فعلًا هي الأرض القديمة خارج البلدة. اشتريتها أنا وجوزي زمان قبل ما الأسعار تطلع.
كان فيه عقد ملكية، وخرائط، وأوراق تثبت إن الأرض دي اتباعت قبل شهرين لشركة إنشاءات بمبلغ ضخم جدًا.
وشيك باسمه.
جيمس فضل واقف مصدوم. الرقم كان أكبر من أي شيء تخيله في حياته. مبلغ يكفي يشتري بيت، ويبدأ مشروع، ويعيش مرتاح سنين طويلة.
لكن الرسالة ما انتهتش.
عارفة إنك محتاج الفلوس لكن ده مش السبب الحقيقي اللي خلاني أسيبهم ليك. أنا سيبتهم ليك لأنك الوحيد اللي دخل بيتي عشان يساعدني مش عشان ياخد مني حاجة. كنت أراقبك طول الوقت. كنت أتعمد أوقات أكون صعبة وقاسية وأطلب طلبات سخيفة، ومع ذلك كنت ترجع كل يوم. لما كنت بتتأخر، كنت أقلق. ولما كنت تضحك، البيت كان يحس بالحياة من جديد.
بدأت دموعه تنزل لأول مرة من سنين.
إنت فاكر إنك كنت لوحدك في الدنيا لكن
الحقيقة إنك بقيت عيلة بالنسبة لست عجوز كانت مستنية الموت في بيت ساكت. الفلوس هتساعدك تعيش، لكن أتمنى ما تخليش الخوف يحرمك من الناس بعد كده.
وفي آخر سطر مكتوب بخط ضعيف آه والشرابات الخضرا لسه في الدرج اللي جنب السرير. خدهم معاك، لأن البرد السنة دي هيكون قاسي.
رجع بيتها للمرة الأخيرة قبل ما الجمعية تستلمه. فتح الدرج فعلًا ولقي الشرابات متطبقة بعناية. مسكهم وضحك وسط دموعه.
وبعد شهور، اشترى بيت صغير بحديقة واسعة. مش قصر، لكنه كان أول مكان يحس إنه فعلًا ملكه. وفي يوم وهو بيزرع ورد جنب الباب، لمح ولد صغير من الحي واقف يبصله بخجل.
ممكن أساعدك؟ الولد سأل.
جيمس ابتسم ومداله قفاز زيادة. أكيد بس خليك فاكر إنك ماسك الشتلة غلط.
ولأول مرة في حياته، حس إن الوحدة اللي عاش عمره كله بيهرب منها انتهت أخيرًا.
بعد ما استلم جيمس الفلوس وباع البيت القديم للجمعية الخيرية زي ما كانت وصية السيدة رود، الناس في البلدة اتغير تعاملهم معاه فجأة بشكل خلاه يتوتر أكتر ما يفرح. نفس الناس اللي كانت تعدي من جنبه من غير سلام بقوا يوقفوه في الشارع يسألوه عن أحواله، وأصحاب المحلات بقوا يعرضوا عليه قهوة مجانية وكلام لطيف زيادة عن اللزوم، وحتى بعض أقارب السيدة
رود اللي ماكانوش يعرفوا اسمه وهمّا بيحضّروا الجنازة، بقوا فجأة فاكرين إنه كان قريب منها جدًا. وجيمس، بحكم حياته القديمة، ماكانش بيعرف يصدق النوايا بسهولة. كل ابتسامة كان يشوف وراها طلب، وكل كلمة حلوة كان يسمع فيها مصلحة مستخبية.
ورغم إنه اشترى البيت الصغير اللي حلم بيه طول عمره، إلا إن أول شهر فيه كان غريب بشكل مؤلم. البيت هادي زيادة عن اللزوم. مافيش صوت عصاية السيدة رود وهي تخبط على الأرض، مافيش زعيقها على برامج الطبخ، مافيش حتى صوتها وهي تنادي عليه من آخر البيت وتقوله إن الشاي بارد كأنه مية ترعة. كان يقعد أحيانًا في المطبخ ويبص للكوب اللي بيشرب فيه لوحده ويحس إن البيت كبير رغم إنه صغير جدًا. اكتشف إن الإنسان ممكن يبقى عنده فلوس وسرير مريح وأكل كويس وبرضه يحس بوحدة تقيلة كأنها حجر فوق صدره.
وفي ليلة مطر طويلة، طلع العلبة المعدنية القديمة من الدولاب وقعد يقرأ رسائل السيدة رود من جديد. كان فيه ظرف صغير ما فتحوش قبل كده لأنه كان لازق تحت الأوراق. فتحه ببطء ولقي جواه ورقة مكتوب فيها لو وصلت للرسالة دي، يبقى معناه إنك لسه بتدور على سبب يخليك تحس إنك تستحق الحياة اللي عندك. عشان كده لازم تروح للمكان اللي كتبته ورا الورقة. قلبها
لقى عنوان مزرعة قديمة خارج البلدة.
في اليوم التالي ساق عربيته وسط المطر لحد ما وصل للمزرعة. المكان كان مهجور تقريبًا، سور خشب مكسور، وعشب طويل مغطي الأرض. لكنه لمح نور خافت جاي من مبنى صغير في الخلف. نزل بحذر وخبط على الباب.
فتحتله ست كبيرة في السن، شعرها أبيض مربوط ووشها مليان تجاعيد لكنها كانت دافية بشكل غريب. إنت جيمس؟ اتجمد مكانه. حضرتك تعرفيني؟ ابتسمت وقالت السيدة رود كانت بتتكلم عنك طول الوقت.
دخل وهو مش فاهم حاجة. الست عرفت نفسها إنها مارغريت، أخت زوج السيدة رود. وقعدت تحكيله حاجة عمره ما كان يتخيلها.
قبل وفاتها بسنة، السيدة رود كانت تيجي المزرعة كل شهر تقريبًا، وتقعد بالساعات تتكلم عن جيمس. كانت تقول إنه أول شخص يدخل بيتها ويهتم بيها من غير ما يحسب الساعة أو يطلب زيادة. وإنها شايفة فيه وجع قديم يشبه وجعها هي بعد ما فقدت ابنها.
كانت خايفة عليك أكتر ما كانت خايفة على نفسها قالت مارغريت وهي تحط قدامه كوب شاي ساخن. كانت تقول إن الفلوس ممكن تساعدك لكن اللي محتاجه بجد هو تحس إنك تنتمي لمكان.
وبعدين قامت ببطء وفتحت غرفة صغيرة جنب المطبخ.
الغرفة كانت مليانة صناديق.
دي حاجات كانت تخص ابنها.
جيمس بص حواليه بذهول. لعب قديمة،
كتب مدرسية، صور عائلية،
تم نسخ الرابط