الهروب ل نور محمد
أنا عمري ما كنت جبانة بس في اللحظة اللي شفت فيها فوهة المسدس في إيد عاصم، حسيت إن كل القوة اللي عشت بقاوم بيها الأربع سنين اللي فاتوا انهارت مرة واحدة. ركبي خبطت في الأرض، وإيديا كانت بتترعش، وعيني متعلقة بالباب اللي وراه بنتي نايمة ومش عارفة إن الموت واقف على بعد مترين منها.
عاصم كان واقف قدامي ببرود مرعب، كأنه بيتكلم في صفقة عادية مش بيتفاوض على روح طفلة عندها أربع سنين. وسلمى واقفة جنبه، بطنها الكبيرة طالعة قدامها، وإيديها متشابكة، لكن ملامحها كانت ناشفة ناشفة بشكل يخوف أكتر من المسدس نفسه.
الدكتور حاول يتكلم عاصم بيه فكر بعقلك، دي جريمة
عاصم لف له المسدس بسرعة ولا كلمة زيادة والله أدفنك هنا.
أنا كنت ببص لسلمى ومش مستوعبة. دي أختي. البنت اللي كنت بأكلها من طبقي وأنا صغيرة. اللي كنت ببيع دهبي عشان أجهزلها فرحها. اللي لما أمنا ماتت حضنتها وقلت لها أنا أمك من النهاردة.
وهي؟ كانت بتحط السم لبنتي بإيدها.
افتكرت كل مرة كانت تيجي تزورنا بعد هروبي. كل مرة كانت تجيب شوكولاتة لتيا. كل مرة كانت تصر إنها تأكلها بنفسها. كل مرة كانت تيا بعدها تقع مريضة وأنا أفضل ألف بيها على الدكاترة.
قلبي اتقطع.
بصيت لعاصم وقلت بصوت مبحوح إنت مريض إنتوا الاتنين مرضى.
ضحك وهو بيقرب مني المرض الحقيقي هو الفقر
صرخت أنا هربت منك عشان كنت وحش!
عينه لمعت فجأة بغضب مرعب، ومسكني من شعري بعنف وحش؟! أنا كنت بصرف عليكي وعلى أهلك كلهم!
اتوجعت، لكني بصقت في وشه. ثانية واحدة بس وشه اتحول لوحش حقيقي.
رفع المسدس ناحية دماغي مباشرة.
وفي اللحظة دي صوت طفولي صغير اتسمع من ورا الباب ماما
كلنا اتلفتنا.
تيا كانت واقفة عند الباب، لابسة البيجامة الوردية، حاضنة الدبدوب بتاعها، وعينيها مليانة خوف.
قلبي وقف.
جريت عليها فوراً، لكن عاصم شدني بعنف. تيا بدأت تعيط ماما أنا خايفة
وساعتها حصل شيء عمري ما هنساه.
سلمى سلمى نفسها جريت على تيا فجأة ووقفت قدامها وهي بتصرخ في عاصم نزل السلاح!
كلنا اتصدمنا.
عاصم زعق ابعدي يا سلمى!
لكنها كانت بترتعش وهي حاضنة بطنها البنت شافتك! إنت فقدت عقلك؟!
عاصم قرب منها بجنون كل اللي عملناه عشان ابننا يعيش!
سلمى بدأت تنهار مش بالطريقة دي! مش بالقتل!
أنا بصيتلها بعدم تصديق. بعد كل اللي عملته؟ فجأة ضميرها صحي؟
لكن قبل ما حد يلحق يتكلم تيا بصت لعاصم وقالت بخوف إنت مين؟
الصمت نزل على المكان كله.
عاصم اتجمد.
الطفلة اللي كان مستعد يقتل أمها عشانها مش عارفاه.
ملامحه اتكسرت للحظة. لحظة واحدة بس.
لكن بعدها رجع أقسى.
قال بصوت ناشف أنا أبوكي.
تيا استخبت ورايا فوراً وهي بتعيط لا بابا مات.
الجملة نزلت عليه كالرصاصة.
أنا حضنتها جامد. كنت عارفة إن دي الحقيقة اللي عاشت بيها طول عمرها. أنا كنت بقولها إن أبوها مات. ماكنتش قادرة أقولها إن أبوها حي لكنه أخطر من الموت نفسه.
عاصم قرب خطوة، لكن فجأة صوت صفارات الشرطة ضرب في المستشفى.
كلنا اتجمدنا.
عاصم لف ناحية الدكتور بصدمة إنت بلغت؟!
الدكتور رد بثبات أول ما دخلتوا.
عاصم فقد أعصابه تماماً. مسك سلمى بعنف وحطها قدامه كدرع محدش يقرب!
سلمى صرخت برعب عاصم! حرام عليك!
الشرطة بدأت تخبط على الباب. وأنا استغليت اللحظة، خطفت تيا وجريت ناحية آخر المكتب.
لكن عاصم كان أسرع. شد دراعي بعنف لدرجة حسيت إنه اتخلع.
المسدس اتحرك. طلقة خرجت.
الصوت كان مكتوم لكن الدم كان حقيقي.
سلمى بصت لصدرها بصدمة.
الطلقة دخلت فيها.
عاصم نفسه اتجمد. كأنه لأول مرة يستوعب إنه وحش فعلاً.
سلمى وقعت على الأرض وهي بتصرخ من الوجع، وإيديها على بطنها.
الدم انتشر بسرعة.
أنا نسيت كل شيء وجريت عليها غصب عني. مهما حصل دي أختي.
حضنتها وهي بتنهار في حضني. كانت بتتنفس بالعافية.
بصتلي بدموع وقالت أنا آسفة والله كنت فاكرة إننا هننقذه بس مكانش قصدي يأذي تيا
أنا كنت بعيط رغم كل حاجة.
قالت وهي بتشرق بالدم هو أقنعني إن العملية آمنة وإنك
عاصم كان واقف مصدوم، والشرطة كسرت الباب أخيراً.
الضباط دخلوا بسرعة، وفي ثواني كان متكتف على الأرض.
لكنه فضل يصرخ بجنون ابني هيموت! فاهمين؟! هيموت!
سلمى بدأت تفقد وعيها. الدكاترة جريوا عليها بسرعة.
وأنا كنت حاضنة تيا اللي بتعيط وبتستخبى في رقبتي.
لكن الكارثة الحقيقية لسه ما خلصتش.
بعد ساعات طويلة الدكتور خرجلي من العمليات ووشه شاحب.
وقفت مفزوعة سلمى؟
الدكتور سكت ثواني وقال عشناها لكن الجنين للأسف مقدرش يكمل.
سلمى فقدت ابنها.
وقتها لأول مرة حسيت إن الدنيا كلها اتحولت لمقبرة.
عاصم اتحبس. القضية قلبت الرأي العام. تزوير تحاليل. شروع في قتل. ابتزاز. تهديد بالسلاح. رشاوي. وإيذاء طفل.
كل يوم كانت تظهر مصيبة جديدة.
واكتشفنا إن السم اللي كانوا بيدوه لتيا كان بجرعات صغيرة جداً عشان مايظهرش بسهولة. ولو كمل شهر واحد بس كانت ممكن تدخل في فشل كامل.
كنت كل ليلة أبص لبنتي وهي نايمة وأرتعش.
إزاي نجت؟
إزاي ربنا بعتها للدكتور ده في الوقت المناسب؟
بعد شهور بدأت تيا تتحسن. لونها رجع طبيعي. الزرقة اختفت. الإغماءات وقفت.
لكن نفسيتها اتكسرت.
بقت تخاف من أي راجل. تصحى من النوم تصرخ. تستخبى تحت الترابيزة أول ما تسمع صوت عالي.
وأنا؟ أنا بقيت حطام.
كنت بحاول أبقى قوية عشانها،
وفي يوم وصلني جواب من السجن.
من عاصم.
كنت عايزة